شريط الأخبار
 

المسؤولية الاجتماعية ... تصحيح الخلل

بلال حسن التل
المسؤولية الاجتماعية من المفاهيم الحديثة، التي تهدف إلى خلق روح المشاركة بين الأغنياء "أفراداً وشركات " ومجتمعاتهم المحلية ، من خلال مساهمة الأغنياء بالتنمية، مما يعود بالنفع على الجميع ، وفي المقدمة منهم الأغنياء أنفسهم ، لأن استقرار المجتمعات وأمنها يشكل أرضية أساسية لتعزيز نماء المال من خلال العلاقة العضوية بين الإنتاج والاستقرار، وهذا هو بالضبط مفهوم الوقف في الإسلام والدور الذي لعبته الأوقاف في بناء ونمو مجتمعاتها واستقرارها.
إن الوقف هو التعبير الحضاري عند أمتنا عن مفهوم المسؤولية الاجتماعية المعاصر، ممايدل على سبقنا الحضاري، حيث كان الوقف يلعب دوراً مهماً في تنمية المجتمعات من خلال إنفاق الأوقاف على الدراسة والبحث وعلى العلم والعلماء وعلى الكتب والمكتبات وعلى المدارس والمعاهد وعلى طلبة العلم وعلى المستشفيات والجسور، بل لقد امتد الوقف إلى كل جوانب الحياة حتى شمل الرفق بالحيوان، وهو دور يجب العمل على استعادته بعد أن حصرناه على الأغلب في بناء المساجد فقط، وهو تضيق لواسع من شرع الله، لذلك وفي ظل ما نعانيه في الأردن من ظروف اقتصادية صعبة وتوقف للكثير من المشاريع والخطط فإننا أشد مانكون حاجة إلى تفعيل مفهوم المسؤولية الاجتماعية واستعادة المفهوم الحضاري للوقف.
لتحقيق ذلك لابد من الاعتراف بوجود عدد من الاختلالات في مفهوم المسؤولية في الأردن أولها محدودية الشركات وألها البنوك، وكذلك الأفراد الذين يؤدون مسؤوليتهم الاجتماعية في الأردن بشكل منتظم، وهذه المحدودية تقل إلى درجة التلاشي، عندما يتعلق الأمر بالجوانب المعنوية والوجدانية، كدعم البحث العلمي، والدراسات ، وسائر مصادر العلم والمعرفة، وبناء المنظومة الثقافية والفكرية، من خلال الراقية وخاصة الدراما التي صارت تلعب دوراً مركزياً في صياغة وجدان الناس ومثلها الفنون الشعبية التي تحفظ الهوية والوجدان الأصيل للإنسان، وتشكل جزء من التاريخ الوطني لكل شعب، فكل هذه الأنشطة محرومة من دعم المسؤولية الاجتماعية في بلدنا.
إن المدقق في اتجاهات المسؤولية الاجتماعية لدينا لا يحتاج إلى كبير عناء ليكتشف أن الأنشطة الحضارية التي تلعب دوراً في بناء المجتمع وصياغة وجدانه وسلوكه محرومة من رعاية ودعم القائمين على المسؤولية الاجتماعية أو تكاد، حيث يذهب هذا الدعم إلى جوانب مادية آنية ذات طبيعة دعائية، كطرود الخير وموائد الرحمن..... إلخ، وفي حالات قليلة إلى بناء مستوصف أو شراء أدوات طبية، فقد نسى مقدمو هذا الدعم أن العناية ببناء عقل الإنسان ووجدانه، يوازي بالأهمية بل ويفوق العناية بجسده، لأن العقل والوجدان هما اللذان يصوغان منظومة قيم الإنسان وسلوكه، لذا فإن غذاء العقل يصبح في كثير من الأحيان أهم من غذاء المعدة، مما يعكس نظرة متخلفة حضارياً وخلل في ترتيب أولويات المسؤولية الاجتماعية لابد من إصلاحه.