شريط الأخبار
 

بين مدينتين

عبدالهادي راجي المجالي
.. أكثر رواية درست في المدارس الغربية وأنتج حولها مئات رسائل الماجستير والدكتوراة، رواية تشارلز ديكنز (بين مدينتين).. وهي باختصار بسيط, مجرد قصة تروي ظلم الثورة الفرنسية, وكيف يستبد الفقير في لحظة بالأرستقراطي والمثقف.. بعبارة أخرى, تشارلز ديكنز يحاول أن يقول في هذه الرواية أن الثورة الفرنسية لها جانب اجتماعي مظلم جدا.. ومشبع بالخزي في ذات الوقت.

ربما تشارلز ديكنز وجورج أورويل.. هما الوحيدان اللذان قاما بتشخيص أنانية الثورات والغباء المفرط فيها.. تشارلز ديكنز عبر رواية (بين مدينتين), وجورج أورويل عبر (مزرعة الحيوانات).

الأول عرّى الثورة الفرنسية تماما, وبيّن همجية المجتمعات في الانتقام والثاني شخّص الثورة البلشفية وحجم الدم فيها, والصراع المقيت بين ستالين ولينين.

نحن لا نجرؤ في العالم العربي, على نقد المجتمع..نجرؤ فقط على نقد السلطة, وأكبر دليل لدينا هي قضية المعلم, لايوجد فيها طرف ثان أبدا.. فأنت إما أن تكون مع المعلم, أو أنك مرتد وكافر وعدو .

بالمقابل الغرب, أنتج نقدا لاذعا للمجتمعات.. ولو تمعنتم في رواية تشارلز ديكنز, وقصة الفرنسي المثقف (تشارلزدارني).. الذي صار ضحية, لقيم الشر التي أنتجتها الثورة الفرنسية.. دون أن يكون له ذنب, ستعرفون حجم همجية المجتمعات.. في لحظة الاندفاع.

كنت أتمنى لو يتاح للمعلمين المضربين الان في مدارسهم, وبدلا من القهوة والشاي أن يقرأوا رواية بين مدينتين, كي يعرفوا حجم ما أنتجوا من انقسام في المجتمع, أدى فيما بعد بحسب رواية تشارلز ديكنز.. إلى أن تندثر قيم الخير والمحبة, لصالح الشراسة والانتقام.. كنت أتمنى لو أن وزارة التربية تصرف هذا الكتاب, للمعلمين.. كي يدركوا خطورة ما يحدث في المجتمع.. وأنا لا أتحدث عن اللحظة الانية فقط, بل عن مستقبلنا.. وماذا سيحمل في طياته, وحجم ما سينتج من صراع.

سأنهي المقال بمقدمة رواية (بين المدينتين), عل هذه المقدمة تحفز فينا ولو القليل من مراجعة الذات.

(كان أحسن الأزمان, وكان أسوأ الأزمان, كان عصر الحكمة, وكان عصر الحماقة, كان عهد الإيمان وكان عهد الجحود, كان زمن النور وكان زمن الظلمة, كان ربيع الأمل وكان شتاء القنوط) انتهى الاقتباس.