إسرائيل والولايات المتحدة - نتنياهو يرد الصاع لترامب - صراع العجل مع السنديان
الوقائع الاخبارية:د.زياد صالح الزبيدي
رئيس وزراء إسرائيل، بنيامين نتنياهو، المستاء بشدة من التصرفات المتقلبة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي، برأيه، "باع نفسه" مقابل الأموال العربية خلال جولته الأخيرة في الشرق الأوسط، يتخذ خطوات يائسة لإعادته إلى "الطريق القويم". إذ إن تجاهل ترامب المفاجئ للمصالح والمطالب الإسرائيلية ينذر بعواقب وخيمة، ليس فقط لدولة إسرائيل، بل ولنتنياهو شخصيًا، الذي يعيش أصلًا في وضع سياسي هش.
نتنياهو يعلن بدء عملية جديدة تحت اسم "مركبات جدعون" - الجيش الإسرائيلي الأسماء التوراتية
رئيس الوزراء الإسرائيلي يلعب على المكشوف، رافضًا جميع الدعوات، بما في ذلك من واشنطن، لحل مشكلة غزة عبر التفاوض، ومطلقًا هجومًا واسع النطاق جديدًا هناك تحت اسم "مركبات جدعون" بهدف فرض السيطرة الكاملة على القطاع. مئات الأشخاص يلقون حتفهم يوميًا هناك، وتُسوى جميع المباني بالأرض. وقد اجتاحت العالم موجة جديدة من الإحتجاجات ضد هذا السلوك.
في هذا السياق، إتبع نتنياهو، في رأيه، تكتيكًا ماكرًا بما يكفي: فقد أعلن أنه لن يوافق بعد الآن على أي هدنة مع حركة "حماس" ما لم يتم تنفيذ الخطة الأصلية "الصحيحة" و"الثورية" و"اللامعة"، حسب وصفه، التي إقترحها ترامب بشأن غزة. وهي الخطة التي تقضي بترحيل الفلسطينيين، وإنشاء "ريفييرا مزدهرة" على أنقاض القطاع، مخصصة لـ"العائدين من أنحاء العالم" (اقرأ: موجة "علياه" جديدة). مع أن ترامب نفسه ربما نسي هذه التخيلات، التي تجاوزها الواقع الجديد.
في إطار الحملة العسكرية الموسعة في قطاع غزة، يخطط الجيش الإسرائيلي للسيطرة على ما يصل إلى 75% من أراضي القطاع خلال نحو ثلاثة أشهر. وبعد المرحلة الأولى من العملية، يعتزم الجيش مواصلة عمليات التمشيط لعدة أشهر حتى السيطرة الكاملة.
لكن رئيس البيت الأبيض الحالي، كما هو معروف، تتغير مواقفه كل يوم. فبعد رحلته الناجحة إلى السعودية والإمارات وقطر، التي أبرم فيها إتفاقيات طويلة الأمد بمليارات الدولارات، لم يعد يتذكر خيار "الريفييرا". بات ترامب يميل الآن إلى خطة إعادة إعمار غزة التي طرحها المصريون، لكن مع بقاء الفلسطينيين في أماكنهم دون ترحيل قسري، وتحت إشراف أمريكي–عربي، وليس إسرائيلي. مع أنه يقول إنه لا ينبغي عرقلة من يرغب في "الإنتقال الطوعي" (وهم قلة قليلة). حتى أن الأمريكيين لم يوقفوا بعد بحثهم عن مكان محتمل لهؤلاء "النازحين". والخيار الأخير، بعد فشل جميع الخيارات السابقة، هو ليبيا – وهو ما يدعو للدهشة أو السخرية.
إنعقدت قبل أسبوع تقريبًا قمة لجامعة الدول العربية، دعمت بشكل كامل خطة التسوية السلمية لأزمة غزة على أساس إقامة دولة فلسطينية مستقلة وإعادة إعمار القطاع وفقًا لمبدأ الدولتين. سيكون من الصعب على ترامب التخلي عن هذا السيناريو دون أن يخسر جميع مكاسبه في المنطقة، مقارنةً بتجاهل أي وعود كان قد قدمها شخصيًا لنتنياهو. أما تذكير ترامب بتصريحاته السابقة، فهي فكرة غير مجدية – اسألوا زيلينسكي.
تشير الصحافة الإسرائيلية إلى أن نتنياهو يستعد لمواجهة ترامب، كاشفًا نقاط ضعفه الرئيسية. أعضاء دائرته يختلفون في الرأي حول مدى هشاشة وضع ترامب الحقيقي. ويقال إنه تم مؤخرًا تشكيل مجموعة سرية صغيرة في محيطه للتعامل مع القضايا السياسية والإعلامية الدقيقة. الخطة: توجيه ضربة إلى أكثر نقاط ترامب ضعفًا – قاعدته الجمهورية والمسيحية التي يُفترض أنها "تدعم إسرائيل دون قيد أو شرط". فتصاعد إستياء إسرائيل من سلوك الرئيس الأمريكي، قد يدفع بالسيناتورات الجمهوريين، والمعلقين المحافظين، والسياسيين اليمينيين المؤثرين، إلى الضغط على ترامب للإنصياع الكامل للموقف الإسرائيلي. غير أن البعض يرى أن ترامب، في ولايته الثانية، بات أقل إعتمادًا على قاعدته أو على الإنجيليين. فهو يهيمن بالكامل على الحزب الجمهوري ومن الصعب زعزعته.
يشير المحللون إلى أنه، عند انتخاب ترامب، بدا وكأن إسرائيل حصلت على رئيس وإدارة "أحلامها". لكن التصريحات عن "الريفييرا" في غزة تحولت إلى نكتة، والتهديدات ضد إيران تحولت إلى حوار باهت بلا مستقبل. "أما بالنسبة للحوثيين – أولئك الصغار الذين تعهد الأمريكيون بالقضاء عليهم – فقد أبرموا الآن هدنة مع واشنطن، لكنهم سيواصلون قصف إسرائيل. وبالمناسبة: إعتقد نتنياهو أن الرئيس الأمريكي الداعم له سيعفي إسرائيل من الرسوم الجمركية، لكن هذا لم يحدث. الكلام شيء، والجمارك شيء آخر تمامًا".
في كل الأحوال، بحسب الصحفيين الإسرائيليين، لا يمكن التنبؤ بتصرفات ترامب المستقبلية. "لكن هناك أمرًا مؤكدًا: سيتصرف بما يخدم مصلحته هو فقط. وعلى إسرائيل ونتنياهو أن يتقبلا ذلك، بكل خضوع وإحترام. فترامب لا يُستهان به، حتى في الأفكار. إلى هذا الحد هو مزاجي".
ترى صحيفة جيروزاليم بوست أن المسألة لا تتعلق بالأشخاص، بل بأن إسرائيل بحاجة إلى تعديل إستراتيجيتها في الشرق الأوسط الجديد – "أقل أيديولوجيا، وأكثر مشاريع مشتركة؛ أقل تقاربًا أخلاقيًا، وأكثر منفعة مادية". ففي عالم تُشترى فيه المواقف الدبلوماسية بالإستثمارات والفرص، يجب على إسرائيل أن تتحدث بلغة مفهومة لترامب ومحيطه: "الوظائف، الدولارات، والنتائج".
في عالم ترامب، النفوذ يُبنى عبر الصفقات. على إسرائيل الآن إعادة التفكير في كيفية إثبات قيمتها لواشنطن: ليس من خلال الحنين أو المجاملات، بل عبر توسيع التعاون في الدفاع والمخابرات، والإستثمارات، والمبادرات التي تعود بالنفع على الإقتصاد الأمريكي، إلى جانب دبلوماسية هادئة ومتزنة.
ومع ذلك، لا تقترح جيروزاليم بوست التخلي عن الوسائل التقليدية للبلاد، بل ترى أنه سيكون من المفيد لإسرائيل أن تعزز دبلوماسيتها الخلفية، ليس فقط في البيت الأبيض، بل أيضًا على تل الكابيتول، وفي البنتاغون، ووسط زعماء الإنجيليين، الذين لا يزالون يرون في التحالف مع إسرائيل مصيرًا مشتركًا. "هذه العلاقات لا تُقاس بالمليارات، لكنها ذات وزن سياسي".
تتساءل صحيفة إسرائيل هيوم: هل يملك نتنياهو بالفعل بديلًا دبلوماسيًا يمكن أن يواجه به ترامب، كما حاول مع بايدن وأوباما؟ "إذ أن إذلال زيلينسكي مصدرًا مقربًا من ترامب صرّح بأن فريق الرئيس الأمريكي يدرس إمكانية دعوة رئيس الوزراء السابق والمنافس السياسي لنتنياهو، نفتالي بينيت، إلى البيت الأبيض. والهدف بسيط – توجيه رسالة واضحة لنتنياهو حول مدى الإستياء المتزايد منه.
وكما يشتكي أحد المعلقين في إسرائيل هيوم: "ها نحن، كفئران في قفص ذهبي – وخاصة رئيس الوزراء – نخضع لأهواء رجل لا يفهم منطقه أحد سواه. وإذا كنت تعتقد أن الأمور ستتحسن، فأنا أعتقد أنك مخطئ".