البرنامج الوطني للنظافة.. نموذج لتكامل التشريع والتنفيذ في إدارة النفايات
الوقائع الإخباري: يشهد الأردن تحوّلًا نوعيًا في معالجة ملف النفايات، إذ بات يُنظر إليه كقضية قانونية وتنموية تتقاطع مع الصحة العامة والاقتصاد الوطني والعدالة البيئية، ولم يعد مجرد مسألة خدمية تقليدية.
ويُعدّ البرنامج التنفيذي للاستراتيجية الوطنية للنظافة والحد من الإلقاء العشوائي للنفايات خطوة عملية متقدمة، تستند إلى منظومة تشريعية متكاملة، وتشكل نموذجًا لتكامل التشريع مع التطبيق، بما يعكس انتقال الأردن نحو إدارة حديثة للنفايات تقوم على المسؤولية القانونية والرقابة الفاعلة. ومع ذلك، يؤكد مختصون أن البرنامج لا يزال بحاجة إلى توحيد التكييف القانوني، وتفعيل العقوبات البديلة، وربط التشريعات بالوعي المجتمعي لضمان استدامة أثره وتحويله إلى سياسة عامة راسخة.
ويرى خبراء قانونيون وبيئيون أن نجاح البرنامج يرتبط بثلاثة محاور رئيسية، هي: تكامل النصوص القانونية بدءًا من قانون حماية البيئة لعام 2017 وصولًا إلى القانون الإطاري لإدارة النفايات لعام 2020 والأنظمة التنفيذية الحديثة؛ والتطبيق الفعلي للغرامات والعقوبات البديلة بما يضمن الردع؛ وتعزيز الوعي المجتمعي ليصبح الالتزام بالقانون جزءًا من ثقافة بيئية وطنية.
وأكد أستاذ القانون الدولي والرئيس التنفيذي للمركز الوطني للعدالة البيئية، الدكتور محمد عيادات، أن الأردن يشهد تحوّلًا جوهريًا في مقاربة ملف النفايات، حيث لم يعد يُتعامل معه كقضية تقنية بحتة، بل كملف قانوني وتنموي يرتبط بالصحة العامة والاقتصاد الوطني والعدالة البيئية وحقوق الأجيال القادمة. وأوضح أن هذا التحول جاء نتيجة بناء تشريعي متدرج، بدأ بقانون حماية البيئة لعام 2017، الذي وضع الأسس القانونية لحماية البيئة، وحدد الأفعال الملوِّثة، وأرسى مبدأ منع الضرر البيئي قبل وقوعه، ومنح الجهات المختصة صلاحيات رقابية واسعة.
وأشار إلى أن أنظمة تنظيمية مبكرة، مثل نظام أكياس التسوق البلاستيكية القابلة للتحلل لعام 2017، ركزت على الوقاية من التلوث من المصدر، ومهّدت لاحقًا لتوسيع التدخل القانوني في إدارة تدفقات النفايات. ولفت إلى أن النقلة الأبرز تحققت مع القانون الإطاري لإدارة النفايات لعام 2020، الذي أعاد تعريف النفايات كمورد اقتصادي محتمل، وأدخل مفهوم المسؤولية الممتدة للمنتج، بحيث أصبح المنتج ملزمًا قانونيًا بإدارة النفايات عبر كامل دورة حياتها، ما يعكس انتقال الإدارة من خدمة عامة إلى مسؤولية قانونية واقتصادية مشتركة.
من جهتها، قالت خبيرة السياسات البيئية والمناخية، الدكتورة زينة حمدان، إن البرنامج التنفيذي لا يمثل حملة نظافة تقليدية، بل خطوة تنفيذية متقدمة تستند إلى منظومة قانونية متكاملة تشمل قانون حماية البيئة لعام 2017، والقانون الإطاري لإدارة النفايات لعام 2020، ونظام إدارة النفايات الصلبة غير الخطرة لعام 2021، وتعليمات فرز المواد القابلة لإعادة التدوير من المصدر لعام 2025.
وأوضحت أن التحدي الأكبر لم يكن في النصوص القانونية بحد ذاتها، بل في التطبيق العملي، مشيرة إلى أن العقوبات على الإلقاء العشوائي ارتفعت من حدودها السابقة لتتراوح بين 50 و500 دينار، مع مضاعفتها عند التكرار، وتشديدها في المواقع الحساسة لتصل إلى 100–1000 دينار أو الحبس، وهو ما انعكس في تسجيل نحو 11 ألف مخالفة خلال عام واحد بعد التفعيل الجاد للتشريعات أواخر عام 2025.
وشددت حمدان على أهمية العقوبات البديلة كأداة تعليمية فعالة، مثل إشراك المخالفين في حملات تنظيف منظمة أو أنشطة توعوية في المدارس والجامعات، بما يحول العقوبة من جزاء مالي إلى وسيلة لترسيخ المسؤولية البيئية. وأكدت أن استدامة البرنامج تعتمد على التطبيق العادل والمستمر، وربطه بسياسات فرز النفايات من المصدر، وأنظمة الإدارة المتكاملة، والاقتصاد الدائري.
بدورها، أوضحت رئيسة الباحثين القانونيين في المركز الوطني للعدالة البيئية، المحامية ليلى السامرائي، أن التطبيق العملي كشف عن تداخل بين قانون حماية البيئة لعام 2017 والقانون الإطاري لإدارة النفايات لعام 2020، ما يسبب صعوبة في تحديد الأساس القانوني للمخالفات أثناء الضبط والملاحقة القضائية، نظرًا لاختلاف العقوبات من حيث حدودها وطبيعتها. وأكدت أن ذلك يستدعي توحيد المعايير القانونية لتفادي اللبس وتسهيل الإجراءات القضائية.
وأضافت أن القضاء البيئي بحاجة إلى مقاربة متخصصة تجمع بين المعرفة القانونية والفنية لتعزيز الردع وتحقيق العدالة البيئية، مشيرة إلى أن التشريعات الحالية تفتقر إلى آليات واضحة لتعويض الضرر البيئي، وهو عنصر أساسي لإعادة الحال إلى ما كان عليه، وحماية الصحة العامة والموارد الطبيعية على المدى الطويل. وأكدت أن نجاح أي منظومة تشريعية يبقى مرتبطًا بوجود وعي مجتمعي داعم، يؤمن بأن حماية البيئة مصلحة وطنية وأمن صحي واقتصادي مستدام.


















