طرابلس تبحث عن "اليسار المير" وسط تساؤلات حول المسؤولية وتحرك رسمي
الوقائع الاخباري: بيروت – داني القاسم
خبر موسع لم يكن إنهيار المبنى السكني في طرابلس حادثاً عابراً، بل نتيجة طبيعية لمسار طويل من الإهمال الرسمي وغياب الرقابة، مسار انتهى بكارثة إنسانية جديدة في مدينة تُركت وحيدة في مواجهة الخطر.
فجر الانهيار، تحوّل المبنى إلى كومة من الركام، حاصداً قتيلاً واحداً وثلاثة جرحى، فيما لا تزال الممرضة الشابة اليسار المير مفقودة تحت الأنقاض بعد أكثر من 48 ساعة على الحادثة، في سباقٍ قاسٍ بين الوقت والأمل. وهنا يبرز السؤال الأول: هل كان هذا المبنى صالحاً أصلاً للسكن، أم أن الخطر كان معروفاً ومُتجاهَلاً؟
منذ اللحظات الأولى، انتشرت فرق الدفاع المدني اللبناني في الموقع، مستخدمةً المعدات الهيدروليكية الثقيلة لإزالة الأنقاض، وسط مخاوف دائمة من انهيارات إضافية تهدّد سلامة المنقذين.
في المقابل، تولّى الصليب الأحمر اللبناني إسعاف الجرحى ونقلهم إلى مستشفيات المنطقة، إضافة إلى نقل جثة أحد المواطنين الذي فارق الحياة متأثراً بإصاباته.
وشاركت فرق البحث والإنقاذ التابعة للصليب الأحمر في عمليات دقيقة تحت الركام، مستخدمةً أجهزة متطورة مكّنتها من سماع وتحديد مواقع أشخاص عالقين في الساعات الأولى، ما عزّز الآمال حينها بوجود ناجين.
لكن مع مرور الساعات، عاد السؤال ليطرح نفسه بإلحاح: هل تأخّرت المعالجة الوقائية سنوات، فاختُزل التدخّل اليوم بعمليات إنقاذ متأخرة؟
رغم مرور أكثر من يومين، لا يزال مصير اليسار المير مجهولًا، بعدما كانت المعلومات الأولية تشير إلى أنها كانت على قيد الحياة عقب الانهيار. وتعمل فرق الدفاع المدني بعد توزيعها على نقاط مفتوحة ومدروسة، في محاولة لفتح مسارات آمنة تُمكّن من الوصول إلى عمق الركام.
في هذا المشهد القاسي، يتقدّم سؤال إنساني ثقيل: من يتحمّل مسؤولية الوقت الضائع حين تكون كل دقيقة فاصلة بين الحياة والموت؟
على وقع الغضب الشعبي، يتابع رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون تطوّرات الحادثة، طالباً من وزير الداخلية والبلديات أحمد الحجار تسريع رفع الأنقاض وإنقاذ السكان، والتنسيق مع الدفاع المدني والصليب الأحمر وبلدية طرابلس، مع إمكان الاستعانة بالجيش اللبناني عند الضرورة.
كما شدّد الرئيس عون على فتح تحقيق فوري لتحديد الأسباب التي أدّت إلى انهيار المبنى، وتحديد المسؤوليات.
غير أن التجارب السابقة تفرض تساؤلاً مشروعاً: هل يصل هذا التحقيق إلى خواتيمه، أم يُضاف إلى أرشيف التحقيقات المنسيّة؟
وفي هذا السياق، زار رئيس الحكومة نواف سلام موقع الانهيار، واطّلع ميدانياً على حجم الكارثة، كما اطمأن إلى الجرحى في المستشفيات، وعقد اجتماعاً مع رئيس بلدية طرابلس ومحافظ الشمال بالإنابة، بحضور الأمين العام للهيئة العليا للإغاثة.
إلّا أن هذه الزيارات، وفق أهالي المنطقة، تطرح أكثر مما تُجيب: أين كانت الدولة قبل الانهيار؟ وأين خطط الكشف والصيانة في مدينة تعجّ بالأبنية القديمة والمتصدّعة؟
حادثة طرابلس ليست الأولى، وقد لا تكون الأخيرة، في بلدٍ تتحوّل فيه الأبنية القديمة إلى مقابر جماعية.
ويبقى السؤال الأخطر حاضراً بين الركام: من يحاسب، ومن يوقّع على سلامة مبانٍ قد تكون قنابل موقوتة، ولماذا لا يزال الشمال خارج سلّم أولويات الدولة؟ الخبر ليس الحادثة بل فقدان اليسار ومن يتحمل المسؤولية والاجراءات الحكومية.

















