قيود الاحتلال تدفع مئات الفلسطينيين بالضفة للرحيل القسري
الوقائع الإخباري - صعّدت قوات الاحتلال الإسرائيلي من عملياتها العسكرية والأمنية في الضفة الغربية والقدس المحتلة، عبر اقتحامات متزامنة واعتقالات واسعة، ترافقت مع تصاعد غير مسبوق في إرهاب المستوطنين وعمليات التهجير القسري، في وقت أطلقت فيه الأمم المتحدة تحذيرات جديدة من القيود الإسرائيلية المفروضة على عمل منظماتها الإنسانية، ومن تداعيات الهجمات المتواصلة التي أدت إلى نزوح مئات العائلات الفلسطينية.
واقتحمت قوات الاحتلال الإسرائيلي، أمس السبت، مدينة طوباس وبلدة طمون الواقعة جنوب المدينة، بمشاركة عدد كبير من الدوريات العسكرية، حيث داهمت منازل المواطنين في المدينتين، وشرعت بعمليات تفتيش واسعة رافقها عبث بمحتويات المنازل. وبالتزامن مع ذلك، اعتقلت قوات الاحتلال 18 فلسطينيًا خلال اقتحامات نفذتها فجرًا في مناطق متفرقة من الضفة الغربية.
وفي سياق متصل، اقتحمت قوات الاحتلال بلدة بيت فجار جنوب مدينة بيت لحم، حيث أفاد مصدر محلي بأن القوات الإسرائيلية تمركزت في منطقة «المثلث» وسط البلدة، وسيرت دوريات راجلة في الشوارع الرئيسية والفرعية، وأطلقت قنابل الغاز السام والصوت، ما أدى إلى حالة من التوتر في صفوف المواطنين، دون أن يُبلّغ عن إصابات. على الصعيد الأممي، حذّر نائب المتحدث باسم الأمين العام للأمم المتحدة، فرحان حق، من المساس بالعيادات والمدارس التابعة للأمم المتحدة في القدس الشرقية المحتلة، مؤكدًا أن الكهرباء والمياه انقطعت خلال الأيام القليلة الماضية عن المدارس والمراكز الصحية في المدينة، الأمر الذي أدى إلى تعطيل خدمات حيوية يعتمد عليها آلاف الفلسطينيين.
ودعا فرحان حق، خلال مؤتمر صحفي، إسرائيل إلى إنهاء القيود المفروضة على فرق الإغاثة والمنظمات الإنسانية، بما في ذلك الحظر المفروض على وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا) والمنظمات الإنسانية الدولية، محذرًا من أن استمرار هذه القيود يقوّض قدرة الأمم المتحدة على تقديم الخدمات الأساسية للسكان.
ويأتي ذلك في وقت كانت فيه إسرائيل قد قررت إلغاء تراخيص 37 منظمة إغاثة دولية تعمل في إيصال المساعدات الإنسانية، في خطوة أثارت تحذيرات واسعة من خبراء ومؤسسات حقوقية، اعتبروا أن القرار ذو طابع سياسي ويهدف إلى تقويض مقومات بقاء الفلسطينيين، لا سيما في ظل الأوضاع الإنسانية المتدهورة.
وفي موازاة التصعيد العسكري، يتواصل إرهاب المستوطنين بوتيرة متصاعدة، في إطار سياسة ممنهجة تهدف إلى تهجير الفلسطينيين من أراضيهم. وقالت منظمة «سلام الآن» ومركز المعلومات الإسرائيلي لحقوق الإنسان «بتسيلم»، إلى جانب مؤسسات أخرى، إن إرهاب المستوطنين المنطلق من المستوطنات والبؤر الاستيطانية والرعوية يشكل جزءًا لا يتجزأ من إرهاب دولة الاحتلال، ويسير بالتوازي مع ممارسات الجيش الإسرائيلي.
واستهل التقرير الأسبوعي الصادر عن «المكتب الوطني للدفاع عن الأرض ومقاومة الاستيطان» حديثه بالتأكيد على تجدد إرهاب المستوطنين عبر حرق البيوت والمركبات والمنشآت الفلسطينية، وتنفيذ مداهمات واسعة، واستباحة مساحات شاسعة من الأراضي، ومنع المواطنين من الوصول إلى أراضيهم وحقولهم ومزارعهم، مشيرًا إلى أن هذه الاعتداءات لم تعد عشوائية، بل باتت تدرج بشكل واضح على جدول أعمالها هدف تهجير الفلسطينيين، لا سيما التجمعات البدوية والرعوية.
وسلط التقرير الضوء على ما يجري في تجمع «نبع العوجا» بمحافظة أريحا، وتجمع «شكارة» بمحافظة نابلس، حيث تتعرض هذه التجمعات لهجمة منظمة تهدف إلى اقتلاع سكانها من قراهم ومضاربهم.
وأوضح التقرير أن عشرات العائلات الفلسطينية كانت تعيش في قرية نبع العوجا، الواقعة على بعد 11 كيلومترًا شمال شرق مدينة أريحا، ضمن محمية العوجا الطبيعية، في ظروف قاسية، إذ أُقيمت القرية في سبعينيات القرن الماضي على أرض وقفية. إلا أن الحلقة الأخيرة في مسلسل المعاناة تمثلت في تهجير ما تبقى من العائلات، حيث غادرت 14 عائلة القرية بعد أن فككت مساكنها، لتنضم إلى أكثر من 100 عائلة كانت تضم نحو 1200 نسمة، وتملك ما يقارب 18 ألف رأس من الأغنام، اضطرت إلى الرحيل قسرًا.
وبيّن التقرير أن معاناة الأهالي تفاقمت بشكل كبير بعد إقامة بؤرتين استيطانيتين في محيط التجمع خلال الحرب على غزة، إلى جانب نشر أكثر من سبعة قطعان أغنام للمستوطنين خلال الشهر الأخير في محيط القرية. وأشار إلى أن سلسلة المضايقات شملت قطع أسلاك الكهرباء وخطوط المياه، ومهاجمة الرعاة والاعتداء عليهم داخل خيامهم ومساكنهم، ما أنهك من تبقى من السكان ودفعهم في النهاية إلى الرحيل.
وخلال العامين الأخيرين، حاصرت البؤر الاستيطانية «عومر» و«إيطاف» و«مفعوت أريحا» التجمع، وتوسعت حتى وصلت إلى أطراف المنازل، كما أقام المستوطنون أربع بؤر زراعية جديدة، ومنعوا الأهالي من حراثة أراضيهم وإطعام مواشيهم في الحقول القريبة.
وأشار التقرير إلى أن ما يُعرف بـ«زعران الأغوار» تلقوا دعمًا مباشرًا من وزير المالية الإسرائيلي ووزير الاستيطان في وزارة الجيش، بتسلئيل سموتريتش، الذي زار المنطقة نهاية العام الماضي، وقدم لهم الدعم العلني، واصفًا أعمالهم بـ«البطولية»، كما أرسل لهم شاحنات محملة بألف رأس من الأغنام ونحو 40 جملاً.
وفي السياق ذاته، نقل التقرير عن مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) قوله إن الهجمات والتهديدات المستمرة من قبل المستوطنين أدت، في السادس عشر من الشهر الجاري، إلى نزوح أكثر من 100 أسرة فلسطينية من خمسة تجمعات في أنحاء الضفة الغربية خلال الأسبوعين الماضيين. وأوضح أن غالبية الأسر المهجرة تعود لتجمع «رأس عين العوجا»، حيث بدأت 77 أسرة تضم 375 شخصًا، بينهم 186 طفلًا و91 امرأة، بتفكيك مساكنها والرحيل نتيجة تصاعد الاعتداءات وفي قراءة إسرائيلية داخلية، لفت معهد «أبحاث الأمن القومي» في جامعة تل أبيب، في أحدث تقاريره، إلى التصاعد المتسارع في ما وصفه بـ«الإرهاب اليهودي»، محذرًا من أن هذه الظاهرة باتت تشكل ضررًا متزايدًا بالمكانة الدولية لإسرائيل، بعدما تحولت إلى ظاهرة واسعة ذات أبعاد أمنية واستراتيجية تهدف إلى تقويض الوجود الفلسطيني، خصوصًا في المناطق المصنفة «ج».
وبيّن التقرير الصادر في العشرين من الشهر الجاري أن الاعتداءات التي ينفذها مستوطنون ضد الفلسطينيين شهدت قفزة نوعية وكمّية منذ 7 تشرين الأول 2023. واستعرض معطيات من مصادر عسكرية تشير إلى تسجيل ارتفاع بنسبة 27% في ما تصنفه المؤسسة الأمنية الإسرائيلية «جرائم قومية» خلال عام 2025، مع توثيق نحو 870 جريمة، بينها 120 جريمة وُصفت بالخطيرة، مقارنة بـ83 جريمة خطيرة في عام 2024.
في المقابل، وثّقت معطيات الأمم المتحدة صورة أكثر قتامة، إذ سجل عام 2024 نحو 1,420 اعتداءً ضد فلسطينيين، بزيادة 16% عن عام 2023، وهو أعلى مستوى منذ بدء التوثيق المنهجي عام 2006. وأسفرت هذه الاعتداءات عن استشهاد خمسة فلسطينيين، وإصابة نحو 350 آخرين، وتهجير أكثر من 300 عائلة فلسطينية، أي ما يقارب 1,700 شخص، من مناطق سكنهم.
وفي إطار النشاطات الاستيطانية الجديدة، أشار التقرير إلى إقامة مستوطنين، في الحادي والعشرين من كانون الثاني الجاري، مزرعة رعوية استيطانية جديدة على قمة جبل عين عينا (رأس العين) الاستراتيجي في محافظة نابلس، بعد نقل خيام إلى الموقع الذي تمتد سفوحه على أراضي قرى قصرة وجالود وتلفيت، مع تقدير المساحة المستهدفة بنحو أربعة آلاف دونم.
وأوضح التقرير أن الجبل يُعد من أعلى الجبال في المنطقة، إذ يبلغ ارتفاعه نحو 900 متر عن سطح البحر، ويشكل تهديدًا مباشرًا للأهالي والمزارعين بسبب طابعه الزراعي الاستراتيجي، فضلًا عن وجود برج لتقوية الاتصالات في المنطقة.
وفي موازاة ذلك، رصدت حكومة الاحتلال ميزانيات ضخمة تُقدّر بنحو 2.5 مليار شيكل لتنفيذ مشروع توسع استيطاني جديد في شبكة الطرق التابعة لتجمع «ماتي بنيامين» الاستيطاني وسط الضفة الغربية، بهدف رفع كفاءة البنية التحتية لتوازي تلك الموجودة داخل الخط الأخضر. ويشرف المجلس على 46 مستوطنة، و10 بؤر استيطانية، ومستوطنتين زراعيتين، إضافة إلى منطقة صناعية كبرى.
وفي القدس المحتلة، خصصت بلدية الاحتلال موازنات كبيرة لتنفيذ طريق (45) المعروف بـ«طريق الكسّارات»، الذي يربط المستوطنات شمال المدينة وشرق رام الله بشوارع (443) و(عطروت) و(بيغن)، على حساب نحو 280 دونمًا من أراضي محافظة القدس، إلى جانب تخصيص أكثر من نصف مليار شيكل لتطوير شارع (437) الاستيطاني الممتد من حاجز حزما حتى دوار جبع وبداية شارع (60).
وفي بعد إنساني موازٍ، كشف الأسير حسن سلامة، في رسالة من سجون الاحتلال، عن الأوضاع القاسية التي يعيشها الأسرى. ونقل المحامي حسن عبادي، الذي زاره مؤخرًا في سجن غانوت الصحراوي، قوله: «صرنا هياكل عظمية متحركة»، في إشارة إلى فقدان الأسرى لعشرات الكيلوغرامات من أوزانهم بسبب سوء التغذية.
ووصف عبادي لحظة اللقاء قائلًا إن سلامة خرج من العزل محاطًا بكتيبة من السجّانين الملثمين والمسلحين، مضيفًا أن سلامة قال: «أوضاعنا في غاية الصعوبة ما شفنا الشمس من أشهر».

















