ينابيع الطفيلة...ذاكرة الماء والتراث المهدد بالجفاف

ينابيع الطفيلة...ذاكرة الماء والتراث المهدد بالجفاف
الوقائع الإخباري-شكّلت ينابيع المياه في محافظة الطفيلة على امتداد عقود طويلة شريان الحياة الرئيس للسكان، ومصدرًا أساسيًا لري البساتين وتوفير مياه الشرب، فيما بقيت تلك العيون الطبيعية جزءًا من ذاكرة المكان والتراث الاجتماعي الذي ارتبط بحياة الأهالي اليومية وتاريخهم الزراعي والإنساني.

ويؤكد الباحث في تاريخ الطفيلة الدكتور علي المحاسنة، أن محافظة الطفيلة كانت تضم نحو 365 ينبوعًا بعدد أيام السنة، توزعت بين الأودية والمرتفعات والقرى الزراعية، قبل أن تتراجع أعدادها بشكل كبير خلال العقود الأخيرة بفعل التغيرات المناخية وتراجع معدلات الهطول المطري والجفاف المتكرر.

وأضاف، أن مدينة الطفيلة القديمة تحتضن عدة ينابيع شهيرة، من أبرزها شلحا، والعنصر، وأم قري، وعوجان، والبيضا في الجهة الشمالية والشمالية الشرقية، إضافة إلى الجهير والموردة جنوبا وجنوب غرب المدينة، حيث كانت هذه الينابيع تسقي بساتين الزيتون والرمان والكرمة والتين واللوزيات، إلى جانب استخدامها في مياه الشرب والاستعمالات المنزلية قبل وصول شبكات المياه الحديثة إلى المنازل.

ويستذكر أبناء الطفيلة ملامح الأبنية الحجرية القديمة التي شيدت حول بعض الينابيع خلال ثلاثينيات القرن الماضي والتي عرفت باسم "حرم النبع"، حيث بنيت بالحجارة المحلية المنحوتة بطريقة هندسية جميلة تعكس أهمية المياه في حياة السكان آنذاك.

وكان بناء "حرم النبع" يتخذ شكلاً مستطيلاً يغلب عليه الطابع المعماري الشعبي، إذ يقع جزء كبير منه تحت مستوى سطح الأرض بعمق يتراوح بين مترين وثلاثة أمتار تبعًا لمنسوب المياه، فيما كان الأهالي يصلون إلى المياه عبر درج حجري يقود إلى داخل النبع.

وتنساب المياه من فتحتين حجريتين بارزتين تعرف كل واحدة منهما باسم "المشل"، بارتفاع يتراوح بين 60 و70 سنتيمترًا عن أرضية الحرم، حيث كان الماء ينسكب مباشرة في أوعية الأهالي من قِرَبٍ وسُطولٍ، أو ينساب عبر أقنية حجرية وترابية نحو البساتين المحيطة التي كانت تعتمد بشكل كامل على تلك العيون الطبيعية.

وشكّلت هذه الينابيع على مدى سنوات طويلة ملتقى اجتماعيًا لأهالي الطفيلة، إذ كانت النساء والرجال يلتقون عندها يوميًا لتعبئة المياه وتبادل الأخبار والحديث عن شؤون الحياة، ما جعلها جزءًا أصيلاً من الهوية الاجتماعية والتراثية للمدينة.

ويروي كبار السن، أن المتجول في أودية الطفيلة قديمًا كان يستطيع الشرب من عشرات الينابيع المختلفة، ولكل عين ماء طعمها الخاص وخصائصها الطبيعية، اذ بلغ عددها نحو 365 عينًا، فيما كانت الأودية المحيطة تزدهر بأشجار الزيتون المعمر والكرمة والرمان والتين التي اشتهرت بها المحافظة.

غير أن تلك المعالم التراثية تعرضت في نهاية ستينيات القرن الماضي للهدم والردم بسبب عوامل طبيعية وبشرية، الأمر الذي أدى إلى اختفاء العديد من الأبنية الحجرية التراثية التي كانت تحيط بالعيون الطبيعية، رغم إمكانية الحفاظ عليها عبر مشروعات صيانة الأبنية الحجرية القديمة.

وتشير إحصائيات وتقارير زراعية إلى أن عدد الينابيع المتدفقة في الطفيلة تراجع اليوم إلى أقل من 50 ينبوعًا فقط، بعد أن تأثرت غالبية العيون الطبيعية بانخفاض معدلات الأمطار وتراجع التغذية المائية الجوفية، ما انعكس بشكل مباشر على القطاع الزراعي واتساع رقعة التصحر وجفاف أجزاء واسعة من البساتين القديمة.

وأكد رئيس جمعية الغطاء الأخضر البيئية أحمد السعود، أن بعض الينابيع ما تزال صامدة رغم سنوات الجفاف، إلا أن تدفقها أصبح محدودًا، ولم يعد يكفي لري المساحات الزراعية التي كانت تشكل في الماضي مصدر رزق رئيسي لسكان المناطق لأهالي، خاصة في مناطق الغوير وعيمة والعالي والعين البيضاء.

بدوره، أشار الأديب والمؤرخ سليمان القوابعة إلى أن الينابيع لعبت دورًا حضاريًا مهمًا عبر التاريخ، إذ اعتمدت عليها الحضارات القديمة التي استوطنت مناطق السلع وبصيرا، ومنها الحضارة الأدومية، حيث جرى نقل المياه عبر الأقنية والأنابيب الفخارية لمسافات طويلة لتلبية احتياجات السكان.

ويؤكد مزارعون وناشطون بيئيون، أهمية التحرك للحفاظ على ما تبقى من عيون المياه في الطفيلة، من خلال إعادة تأهيل الأقنية القديمة، وترميم المواقع التراثية المرتبطة بالينابيع، وتنفيذ مشاريع للحصاد المائي والسدود الصغيرة، بما يسهم في حماية الثروة الزراعية والبيئية التي تشتهر بها المحافظة.

وتبقى ينابيع الطفيلة، رغم تراجعها، شاهدا حيا على علاقة الإنسان بالأرض والماء، وذاكرة تراثية تختزن حكايات الأجداد وصور الحياة القديمة التي ما تزال حاضرة في وجدان أبناء المحافظة.

 
جميع الحقوق محفوظة للوقائع الإخبارية © 2026
لا مانع من الاقتباس وإعادة النشر شريطة ذكر المصدر ( الوقائع الإخبارية )
تصميم و تطوير VERTEX web solutions