حكومة جعفر حسان .. من إدارة الأزمات إلى صناعة الأثر
محمد علي الزعبي
في زمن تتعاظم فيه التحديات الاقتصادية وتتسارع فيه التحولات الإقليمية والدولية، لم يعد النجاح الحكومي يقاس بكثرة التصريحات أو ضخامة الوعود، بل بقدرته على تحويل الرؤية إلى قرارات تمس حياة المواطنين وتؤسس لمستقبل أكثر استقراراً. ومن هذا المنطلق، تبدو حكومة الدكتور جعفر حسان وكأنها تسير وفق منهج مختلف، يقوم على العمل الهادئ، والتخطيط البعيد المدى، وربط الإصلاح الاقتصادي بالحماية الاجتماعية.
لقد اختارت الحكومة أن تواجه الواقع كما هو، بعيداً عن الخطاب الشعبوي، وأن تضع أولويات واضحة ترتكز على تحفيز الاقتصاد، وتعزيز الاستثمار، وتطوير الخدمات العامة، مع الحفاظ على التوازن المالي للدولة، وهي معادلة ليست سهلة في ظل الظروف الاقتصادية العالمية، لكنها تعكس فهماً عميقاً بأن التنمية الحقيقية لا تتحقق إلا ببناء اقتصاد قوي ومجتمع يشعر بالعدالة والطمأنينة.
ومن أبرز المؤشرات على هذا التوجه، الاهتمام بالفئات التي شكلت على الدوام ركيزة للدولة الأردنية، وفي مقدمتها المتقاعدون المدنيون والعسكريون، الذين أفنوا سنوات طويلة في خدمة الوطن. فجاء التوجه الحكومي برصد مخصصات لزيادة شهرية مقدارها 30 ديناراً للموظفين والمتقاعدين المدنيين والعسكريين الذين تقل رواتبهم عن 600 دينار، ضمن إطار إعداد الموازنة المقبلة، في رسالة تؤكد أن البعد الاجتماعي حاضر في قلب القرار الاقتصادي.
كما أن قرار رفع الحد الأدنى لرواتب المتقاعدين العسكريين والمحاربين القدامى إلى 350 ديناراً لم يكن مجرد إجراء مالي، بل تعبيراً عن تقدير الدولة لمن حملوا مسؤولية الدفاع عنها وصون أمنها واستقرارها، وترجمة عملية لنهج الوفاء لمن قدموا للوطن الكثير.
إن ما يميز حكومة الدكتور جعفر حسان هو محاولتها إعادة تعريف العلاقة بين الدولة والمواطن، بحيث تكون الحكومة شريكاً في تحسين جودة الحياة، لا مجرد جهة لإدارة الملفات اليومية، فالاستثمار في البنية التحتية، ودعم مسارات التحديث الاقتصادي والإداري، وتطوير قطاعات التعليم والصحة والنقل والطاقة، ليست مشاريع منفصلة، بل حلقات في مشروع وطني متكامل يستهدف تعزيز تنافسية الأردن ورفع قدرته على مواجهة المستقبل، ولا يمكن قراءة هذه السياسات بمعزل عن رؤية تؤمن بأن الاستقرار الاقتصادي هو أساس الاستقرار الاجتماعي، وأن تعزيز الطبقة الوسطى، ودعم أصحاب الدخل المحدود، وتحسين الظروف المعيشية للمتقاعدين والموظفين، هي استثمارات في قوة الدولة وتماسكها.
لقد أثبتت التجارب أن الحكومات التي تكتفي بإدارة الحاضر سرعان ما تتجاوزها الأحداث، أما الحكومات التي تخطط للمستقبل وتبني على الإنجاز، فإنها تترك أثراً يمتد لسنوات، وفي هذا السياق، اجد سعي حكومة الدكتور جعفر حسان إلى ترسيخ٨ نموذج يقوم على الواقعية والطموح في آن واحد؛ واقعية تدرك حجم التحديات، وطموح يؤمن بأن الأردن قادر على تحويلها إلى فرص.
وفي النهاية، فإن نجاح أي حكومة لا يقاس بما تعلنه من برامج فقط، بل بما يشعر به المواطن من تحسن في حياته اليومية، وبما يلمسه من عدالة في توزيع مكتسبات التنمية، وعندما تلتقي الرؤية الاقتصادية مع الحس الاجتماعي، يصبح القرار الحكومي أكثر قرباً من الناس، وأكثر قدرة على تعزيز الثقة بين الدولة ومواطنيها، وهي المعادلة التي تبدو حكومة الدكتور جعفر حسان حريصة على ترسيخها في مسيرتها.









