فرص ضائعة واقتصاد معطل.. لماذا تراوح اتفاقية التجارة الحرة الافريقية مكانها؟
لا تزال طموحات القارة السمراء في تحقيق تكامل اقتصادي شامل تصطدم بواقع معقد، حيث تمر سنوات طويلة على توقيع اتفاقية منطقة التجارة الحرة القارية دون ان تلمس الشعوب نتائج ملموسة على ارض الواقع. وتكشف المؤشرات الاقتصادية ان المشروع الذي كان يعول عليه ليكون قاطرة التنمية يعيش حالة من الجمود، مما يضع القارة امام تحديات كبرى تتعلق بالسيادة الغذائية والاستقلال المالي وتطوير الصناعات المحلية.
واكد خبراء ومسؤولون خلال نقاشات اقتصادية رفيعة المستوى ان استمرار التعثر في تفعيل الاتفاقية يكبد الدول الافريقية خسائر فادحة تتجاوز حدود التجارة البينية لتصل الى عمق البنيان الاقتصادي للقارة. وبين هؤلاء ان غياب الارادة السياسية الكاملة في تنفيذ الالتزامات يعيق تدفق السلع والخدمات ويجعل افريقيا رهينة لتقلبات الاسواق العالمية بدلا من الاعتماد على مواردها الذاتية.
واوضح المحللون ان التقديرات تشير الى امكانية رفع حجم الاقتصاد الافريقي الى مستويات قياسية تصل الى 29 تريليون دولار خلال العقود القادمة، لكن هذا الهدف يبقى مجرد رقم نظري ما لم يتم تجاوز العقبات البيروقراطية واللوجستية التي تعطل التبادل التجاري بين الدول الاعضاء.
واقع التجارة البينية في افريقيا
وكشفت تقارير حديثة ان تجارة السلع الاساسية شهدت نموا ملحوظا، الا ان التجارة البينية لا تزال تراوح مكانها عند نسب متدنية لا تتجاوز 15 بالمئة من اجمالي حجم التبادل التجاري للقارة. واظهرت البيانات ان معظم دول المنطقة لا تزال تعتمد بشكل مفرط على الشركاء التجاريين التقليديين في اسيا واوروبا، وهو ما يحد من فرص بناء سلاسل قيمة اقليمية قوية.
واضاف الخبير الاقتصادي سيد الخير عمرو ان حجم التبادل بين الدول الافريقية لا يزال متواضعا ولا يتناسب مع المقومات الضخمة التي تمتلكها القارة. وشدد على ان تفعيل الاتفاقية من شأنه ان يرفع هذه المعدلات بنسبة تتجاوز 50 بالمئة بمجرد الغاء الرسوم الجمركية، مما يفتح افاقا جديدة للنمو الصناعي والتكامل التجاري.
وبين رئيس المركز الافريقي للدراسات الاستراتيجية رشيد ساري ان القارة تفوت على نفسها فرصا تاريخية، حيث لا تتعدى مساهمتها في الاقتصاد العالمي 1 بالمئة رغم امتلاكها احتياطيات هائلة من المعادن الاستراتيجية والغاز. واكد ان الارتهان للخارج لا يزال يهيمن على القرار الاقتصادي، مما يضعف القدرة على تحقيق الاكتفاء الذاتي.
عقبات تعطل التنمية الشاملة
واشار خبراء الى ان هناك ملفات اساسية لا تزال عالقة، ومن ابرزها قواعد المنشأ في قطاعات حيوية مثل السيارات والمنسوجات، اضافة الى بطء الدول في دمج جداول التفكيك الجمركي في منظوماتها الوطنية. واوضح لحسن حداد ان ضعف البنية التحتية والربط اللوجستي يجعل تصدير البضائع الى الخارج اسهل واقل تكلفة من نقلها بين دول الجوار الافريقي.
واضاف ان الحواجز غير الجمركية وتعقيد الاجراءات الادارية واختلاف المعايير الفنية تشكل عائقا امام انسيابية التجارة. وشدد على ان التخوف من المنافسة وضعف التكامل المالي بين الانظمة المصرفية يساهمان بشكل مباشر في ابقاء الاقتصاد الافريقي مجزأ وغير قادر على المنافسة دوليا.
وبين سيد الخير عمرو ان التحديات الامنية والاضطرابات السياسية في بعض المناطق تخلق بيئة طاردة للاستثمارات، فضلا عن غياب التنوع الاقتصادي الذي يجعل دول القارة تتنافس على تصدير المواد الخام بدلا من تبادل المنتجات المصنعة. واكد ان نقص التمويل والقدرات المؤسسية يظل العائق الاكبر امام تنفيذ الاصلاحات الهيكلية المطلوبة.
الفاتورة الباهظة للجمود الاقتصادي
وكشفت التقديرات ان استمرار الوضع الراهن قد يفقد القارة مكاسب ضخمة بحلول عام 2043، منها خسارة اكثر من 100 مليار دولار في قطاع التصنيع ونحو 400 مليار دولار في قطاع الخدمات. واكد لحسن حداد ان تجزئة السوق الافريقية الى اسواق صغيرة ومشتتة يضعف الموقف التفاوضي للقارة امام التكتلات الاقتصادية العالمية الكبرى.
واضاف رشيد ساري ان 85 بالمئة من صادرات افريقيا تخرج خارج حدود القارة، مما يمثل نزيفا لفرص النمو الداخلي. واوضح ان التفعيل الكامل للاتفاقية كان سيضيف مئات المليارات الى حجم التجارة البينية، مبينا ان بقاء هذه المكاسب حبرا على ورق يحرم الملايين من فرص العمل ويؤخر التنمية المستدامة.
وبين ساري ان ملف الامن الغذائي يظل الاكثر تضررا، حيث تظل مساحات شاسعة من الاراضي الصالحة للزراعة غير مستغلة، بينما يعاني جزء كبير من السكان من الفقر المدقع. وخلص الخبراء الى ان التحول من الالتزام السياسي الى التنفيذ العملي هو السبيل الوحيد لتحويل افريقيا من قارة مستهلكة الى قوة اقتصادية عالمية متكاملة.









