شراكة استراتيجية بين دمشق وبغداد.. ما وراء التقارب الاقتصادي والامني الجديد

شراكة استراتيجية بين دمشق وبغداد.. ما وراء التقارب الاقتصادي والامني الجديد

شكلت الزيارة الاخيرة لوزير الخارجية العراقي فؤاد حسين الى دمشق منعطفا مهما في مسار العلاقات الثنائية بين البلدين الجارين، حيث جاءت هذه الخطوة لترسيخ مرحلة جديدة تتجاوز الشعارات السياسية نحو تفعيل مصالح اقتصادية وامنية ملموسة تخدم طموحات الجانبين في الاستقرار والتنمية. واظهرت المباحثات التي اجراها الوزير مع القيادة السورية وجود ارادة مشتركة لتشكيل لجان متخصصة تعنى بملفات حيوية تشمل الطاقة والزراعة والمياه، اضافة الى تنظيم حركة النقل والمنافذ الحدودية التي تعد شريان الحياه للتجارة البينية. وبينت المعطيات الميدانية ان هذا التحرك الدبلوماسي لم يكن وليد اللحظة بل هو تتويج لمسار تقارب متدرج بدأ منذ اشهر، وتجلى بوضوح في الرسائل المتبادلة بين رئيس الوزراء العراقي علي فالح الزيدي والرئيس السوري احمد الشرع لتعزيز التنسيق الامني والاقتصادي.

افاق التكامل الاقتصادي والجغرافي

واكد خبراء اقتصاديون ان الجغرافيا تفرض واقعا من التكامل بين دمشق وبغداد، حيث يمثل العراق عمقا استراتيجيا لتصريف السلع، بينما تفتح سوريا ابوابها كمنفذ حيوي نحو البحر الابيض المتوسط والاسواق الاقليمية. واضاف الخبير الاقتصادي علي دعدوش ان استمرار هذا الحراك ضمن اطار مؤسسي وتنفيذي سيؤدي حتما الى اعادة احياء القاعدة الاقتصادية التي كانت تربط البلدين قبل سنوات، مشيرا الى ان حجم التبادل التجاري الذي كان يقارب ملياري دولار في وقت سابق يعد مؤشرا على ان القاعدة موجودة وتحتاج فقط الى تنشيط وازالة العقبات الفنية. واوضح الاكاديمي السوري عماد الدين المصبح ان التحركات الرسمية الاخيرة تربط بذكاء بين استقرار الحدود وتنشيط التجارة، مما يجعل من هذه العودة استعادة لفضاء اقتصادي طبيعي يربط العراق ببلاد الشام.

منافع متبادلة وتحديات مشتركة

وكشفت التحليلات ان كل طرف يسعى لتحقيق مكاسب استراتيجية، فالعراق يتطلع لتنويع منافذه التجارية وتقليل الاعتماد على مسارات محدودة عبر استخدام الاراضي السورية، بينما تبحث سوريا عن سوق واسعة لتصريف منتجاتها الزراعية والصناعية وجذب الاستثمارات. واشار المصبح الى ان بغداد تعول على هذا التقارب لتطوير طريق التنمية وفتح المعابر، في حين تجد دمشق في السوق العراقية فرصة ذهبية لتخفيف اختناقات الطاقة عبر استيراد المشتقات النفطية. وشدد دعدوش على ان هذه المصالح لا يمكن ان تتحقق بمعزل عن مواجهة التحديات الامنية، خاصة في ظل وجود عقبات تتعلق بالبنية التحتية والقيود المالية التي تفرضها العقوبات الدولية، فضلا عن الحاجة الماسة لبيئة قانونية تحمي رؤوس الاموال والاستثمارات العابرة للحدود.

توازنات المنطقة وتاثيراتها

واظهرت القراءات السياسية ان مستقبل هذا التعاون يظل رهنا بالتوازنات الاقليمية، وتحديدا الدور الايراني وحسابات النفوذ داخل البيت العراقي التي قد تؤثر في سرعة تنفيذ الاتفاقات. وقال الباحث ابراهيم قيسون ان رئيس الوزراء العراقي يوازن بدقة بين علاقاته الدولية وحسابات الجوار، مما يجعل مسار العلاقات السورية العراقية متداخلا مع تعقيدات المشهد الاقليمي. واضاف الباحث التركي محمود يشار ان السياسة الخارجية العراقية تسعى جاهدة لتحقيق التوازن، حيث ان الجماعات المسلحة والضغوط السياسية تظل عاملا مؤثرا في قدرة الحكومة على تنفيذ مشاريعها الاقتصادية، مما يستوجب حذرا في ادارة الملفات الحساسة لضمان استدامة المصالح المشتركة.

 
جميع الحقوق محفوظة للوقائع الإخبارية © 2026
لا مانع من الاقتباس وإعادة النشر شريطة ذكر المصدر ( الوقائع الإخبارية )
تصميم و تطوير VERTEX web solutions