كيف حول الحوثيون القطاع الخاص الى ماكينة لتمويل اقتصاد الحرب في اليمن

كيف حول الحوثيون القطاع الخاص الى ماكينة لتمويل اقتصاد الحرب في اليمن

كشفت دراسة حديثة عن تحولات جذرية طالت بنية الاقتصاد اليمني في المناطق الخاضعة لسيطرة جماعة الحوثي، حيث نجحت الجماعة في هندسة اقتصاد مواز يخدم أهدافها العسكرية. واظهرت البيانات المستندة إلى تحليل آلاف السجلات التجارية أن القطاع الخاص تعرض لعملية إعادة تشكيل قسرية، تحول خلالها من بيئة تنافسية إلى أداة لتمويل الصراع، مما أدى إلى صعود شبكات تجارية جديدة مرتبطة بالنفوذ السياسي على حساب التجار التقليديين.

واوضحت الدراسة أن الجماعة استغلت الفراغ المالي الناتج عن توقف موارد الدولة السيادية لبناء منظومة متكاملة من الجبايات والرسوم غير القانونية. وبينت أن السيطرة لم تقتصر على الضرائب، بل امتدت لتشمل التحكم في قطاعات حيوية مثل الاستيراد والوقود والخدمات اللوجستية، مما جعل استمرار أي نشاط تجاري رهينا بالخضوع لهذه المنظومة المالية المعقدة.

واكد الباحثون أن هذه الاستراتيجية أدت إلى انكماش الاقتصاد الوطني وتعدد السلطات المالية، مما زاد من تكاليف النقل والتجارة بشكل غير مسبوق. واضاف التقرير أن الجماعة استحدثت آليات تحصيل واسعة شملت الزكاة والرسوم الاستثنائية، محولة الأسواق إلى مصدر تمويل مستدام للمجهود الحربي بعيدا عن القواعد الاقتصادية التقليدية.

من اقتصاد الدولة الى اقتصاد الحرب

واشار التحليل الميداني إلى أن السجل التجاري في مناطق الحوثيين لم يعد وثيقة قانونية فحسب، بل صار مدخلا لفرض سلسلة من الاتاوات والجبايات التي تلاحق الشركات منذ لحظة التأسيس. وبينت الدراسة أن الشركات الجديدة تركزت بشكل لافت في القطاعات الأكثر ربحية، مثل تجارة المواد الغذائية والطاقة والصرافة، لضمان تدفقات مالية مستمرة للجماعة.

واوضحت المعطيات أن قطاع التجارة العامة والاستيراد استحوذ على حصة الأسد من السجلات التجارية الجديدة، بما يعكس توجه الجماعة نحو المجالات التي تدر أرباحا سريعة. وشدد التقرير على أن منح التراخيص وتسهيل الأعمال أصبح مرتبطا ارتباطا وثيقا بمعيار الولاء السياسي، مما خلق طبقة تجارية جديدة تدين بالفضل لنظام الجماعة.

واكدت الدراسة أن العقود الحكومية والامتيازات الاقتصادية جرى توزيعها بشكل انتقائي على شبكات نفوذ مرتبطة بالقيادات الحوثية. واضافت أن هذه العملية أدت إلى إقصاء بيوت التجارة التقليدية التي لم تعد قادرة على المنافسة في ظل بيئة اقتصادية تحكمها المحسوبية والاحتكار.

بناء منظومة اقتصادية موازية

وبينت الدراسة أن الجماعة لم تكتف بالسيطرة العسكرية، بل أنشأت مؤسسات مالية وإدارية موازية لإحكام قبضتها على حركة الأموال والسلع. واوضحت أن هذا التوجه أدى إلى زيادة تكاليف السلع الأساسية على المواطنين بنسب كبيرة نتيجة تعدد نقاط التحصيل والرسوم المفروضة على طول سلسلة التوريد.

واظهرت الأرقام أن إيرادات الجبايات والضرائب والزكاة في مناطق سيطرة الحوثيين قفزت إلى أرقام فلكية خلال العامين الأخيرين. واضافت الدراسة أن هذه الأموال لا تذهب للتنمية أو تحسين الخدمات العامة، بل يتم توجيهها مباشرة لتعزيز القدرات العسكرية والأمنية للجماعة.

واكدت النتائج أن هذا النموذج الاقتصادي ساهم في تعميق الركود الاقتصادي وتآكل القدرة الشرائية للسكان. واوضحت أن الاقتصاد تحول من قطاع يخدم المجتمع إلى أداة لتثبيت السيطرة السياسية وتوسيع النفوذ العسكري على حساب معيشة المواطنين.

تداعيات الاقتصاد الموازي

وكشفت الدراسة أن أخطر أثر لهذه السياسات هو التغيير الهيكلي الذي أصاب بيئة الأعمال، حيث تلاشت فرص الاستثمار المستقل. وبينت أن نجاح أي مشروع تجاري بات يعتمد على مدى قربه من مراكز القرار، مما أدى إلى هروب رؤوس الأموال وتراجع ثقة المستثمرين.

واضافت أن استمرار هذا الوضع خلق طبقة طفيلية مرتبطة باقتصاد الحرب، مما يجعل من الصعب تفكيك هذه المنظومة في المستقبل. واكدت أن الأسواق باتت ركيزة أساسية لإدامة الصراع، حيث يجد التجار أنفسهم مجبرين على تمويل الحرب لضمان بقاء مصالحهم.

واوضحت الدراسة في ختام تحليلها أن الاقتصاد اليمني في مناطق الحوثيين يعيش حالة من التشوه البنيوي الذي يصعب إصلاحه دون تغييرات جذرية في إدارة الموارد. وشددت على أن استمرار هذا الاقتصاد الموازي يعني استمرار معاناة الشعب اليمني وتوسع الفجوة بين طبقة النفوذ والمواطنين العاديين.

 
جميع الحقوق محفوظة للوقائع الإخبارية © 2026
لا مانع من الاقتباس وإعادة النشر شريطة ذكر المصدر ( الوقائع الإخبارية )
تصميم و تطوير VERTEX web solutions