طفرة قياسية في واردات الذهب بمصر تفتح ملفات التصنيع المحلي والادخار
سجلت واردات مصر من الذهب قفزة تاريخية خلال النصف الاول من العام الحالي حيث تخطت الزيادة حاجز الـ 15 ضعفا مقارنة بنفس الفترة من العام الماضي. واظهرت البيانات الرسمية الصادرة عن هيئة الرقابة على الصادرات والواردات ان فاتورة استيراد الذهب وصلت الى اكثر من 4 مليارات دولار مما جعل المعدن الاصفر يتصدر قائمة السلع الاكثر استيرادا في السوق المصري. واكد خبراء ان هذه الارقام الضخمة تعكس تحولات جوهرية في سلوك المستهلك المحلي واتجاهه نحو الذهب كملاذ آمن للادخار في ظل المتغيرات الاقتصادية العالمية.
واشار هاني ميلاد رئيس شعبة الذهب والمجوهرات بالاتحاد العام للغرف التجارية الى ان تضاعف الارقام يرجع بالدرجة الاولى الى آليات العرض والطلب المتزايدة على السبائك الذهبية محليا. واوضح ان السوق شهدت اقبالا واسعا من المواطنين على اقتناء السبائك لتلبية احتياجاتهم الادخارية مما دفع الشركات الى زيادة عمليات الاستيراد وتنشيط خطوط التصنيع المحلي. وبين ان المقارنة مع العام الماضي تظهر تباينا واضحا حيث كان المعروض حينها كافيا مما قلص الحاجة الى الاستيراد المكثف.
وشدد لطفي منيب نائب رئيس شعبة الذهب على ان خروج شريحة كبيرة من المدخرين من الاوعية الادخارية البنكية ذات العائد المرتفع دفعهم للبحث عن بدائل آمنة. واضاف ان الذهب اصبح الخيار الاول للمواطنين للحفاظ على قيمة اموالهم في ظل انخفاض اسعار الفائدة وتذبذب العملات. وكشف ان جزءا كبيرا من الذهب المستورد يتم تحويله الى سبائك ومشغولات محلية الصنع لسد الفجوة في السوق وتوفير منتجات تلبي تطلعات المستهلكين.
ابعاد اقتصادية وراء نمو تجارة الذهب
وكشف تقرير مجلس الذهب العالمي عن ارتفاع ملحوظ في الطلب على العملات والسبائك داخل مصر بنسبة تجاوزت 22 في المائة على اساس سنوي. واظهرت التحليلات ان هذا التوجه نحو السبائك جاء على حساب المشغولات الذهبية التقليدية التي شهدت تراجعا في الاقبال خلال العامين الماضيين. واوضح اسامة زرعي خبير اسواق الذهب ان بعض الشركات الكبرى استغلت هبوط الاسعار عالميا لزيادة وارداتها وتحقيق مكاسب من خلال تصنيع السبائك محليا.
واكد زرعي ان قطاع تصنيع المشغولات يواجه تحديات كبيرة تتطلب دعما حكوميا وتسهيلات اجرائية لتعزيز قدرته التنافسية. واضاف ان المصانع المحلية تمتلك كفاءة عالية في انتاج المشغولات التي تحظى بقبول في الاسواق الخارجية ولكنها تحتاج الى بيئة صناعية اكثر مرونة. وبين ان الاتجاه الحالي للشركات يركز على تلبية الطلب السريع على السبائك لضمان دوران رأس المال وتحقيق عوائد مجزية في وقت قياسي.
واشار كريم العمدة الخبير الاقتصادي الى ان زيادة واردات خام الذهب تعد مؤشرا ايجابيا على تعافي قطاع التصنيع المحلي. واوضح ان الفترة المقبلة قد تشهد ارتفاعا في صادرات المشغولات والسبائك المصرية بفضل تراكم الخبرات وزيادة عدد الشركات العاملة في هذا المجال. واضاف ان استقرار حركة التجارة العالمية بعد التقلبات الاخيرة سيسهم في تعزيز مكانة المنتج المحلي في الاسواق الدولية.
دور تحويلات المصريين بالخارج في دعم السوق
واكد محمد انيس عضو الجمعية المصرية للاقتصاد السياسي ان تحويلات المصريين بالخارج لعبت دورا محوريا في تغذية السوق بالسيولة اللازمة لعمليات الاستيراد. واضاف ان الكثير من العاملين بالخارج يفضلون شراء الذهب وادخاره بدلا من تحويل مدخراتهم بالعملة الصعبة مما انعكس ايجابا على حجم المعروض. وبين ان هذه التدفقات تزامنت مع ارقام قياسية في تحويلات المصريين بالخارج التي تجاوزت 43 مليار دولار خلال الفترة الاخيرة.
واوضح انيس ان العلاقة بين زيادة واردات الذهب وتحسن تحويلات المصريين بالخارج تعكس ثقة المواطن في المعدن النفيس كأداة مالية مستقرة. وشدد على ان الدولة تولي اهتماما خاصا لدعم الصناعات المرتبطة بالذهب لتقليل الاعتماد على استيراد المنتجات النهائية. واضاف ان التوجه الحالي يهدف الى تحويل مصر الى مركز اقليمي لتصنيع وتصدير المشغولات الذهبية في المنطقة.
وختم الخبراء بالتأكيد على ان استمرار هذا الزخم يتطلب تنسيقا بين القطاعين العام والخاص لتذليل العقبات امام المصنعين. وبينوا ان توفير الخام اللازم للصناعة المحلية بأسعار تنافسية سيؤدي حتما الى نمو الصادرات وتقليل فاتورة الاستيراد مستقبلا. واضافوا ان السوق المصرية امام فرصة حقيقية لتعزيز قيمتها المضافة في سوق الذهب العالمي من خلال التركيز على جودة التصنيع والابتكار.









