مسيحيو الضفة الغربية يواجهون ضغوطا متزايدة تدفعهم نحو خيار الهجرة
يجد المسيحيون الفلسطينيون انفسهم اليوم امام واقع معقد يفرض عليهم تحديات وجودية غير مسبوقة في الضفة الغربية المحتلة. واوضح القس متري الراهب ان الظروف الاقتصادية المتردية والقيود العسكرية المشددة اضافة الى تصاعد عنف المستوطنين خلقت بيئة طاردة تهدد استمرار وجودهم التاريخي الذي يمتد لآلاف السنين. وكشف الراهب ان اكثر من مئتي عائلة مسيحية غادرت الاراضي الفلسطينية منذ اندلاع الاحداث الاخيرة في غزة محذرا من ان استمرار هذه الوتيرة قد يؤدي الى افراغ المنطقة من مكونها المسيحي بشكل شبه كامل خلال العقود القادمة.
واكد العديد من رعاة الكنائس ان ظاهرة الهجرة لم تعد مقتصرة على كبار السن بل امتدت لتشمل قطاعات واسعة من الشباب الذين فقدوا الامل في بناء مستقبل مستقر. وبين الشاب عيسى قسيس وهو صاحب مشروع ناشئ في رام الله ان حالة الاحباط وصلت الى ذروتها نتيجة تعثر الاعمال وصعوبة التنقل عبر الحواجز العسكرية لساعات طويلة يوميا. واضاف قسيس ان العائلات التي كانت تتمسك سابقا ببقاء ابنائها في الوطن اصبحت اليوم تشجعهم على الرحيل بحثا عن الامان والفرص المفقودة وهو تحول اجتماعي مؤلم يعكس عمق الازمة الراهنة.
واشار مراقبون الى ان تدهور الاوضاع الامنية والاقتصادية ضاعف من وتيرة التفكير في مغادرة البلاد خاصة لدى الفئات التي تمتلك روابط عائلية في الخارج تسهل عمليات الانتقال والاندماج في المجتمعات الغربية. واوضحت وزيرة الخارجية الفلسطينية فارسين اغابيكيان ان المعطيات الحالية تستوجب اهتماما دوليا واسعا نظرا لان العوامل الضاغطة تؤثر على المسيحيين بشكل ملموس وتدفعهم لاتخاذ قرارات مصيرية بالهجرة نتيجة انعدام الافق السياسي والاجتماعي.
تلاشي الحضور المسيحي وتحديات البقاء
وتشير الاحصائيات الى تراجع ملحوظ في اعداد المسيحيين بالضفة الغربية حيث انخفضت نسبتهم من ستة في المئة عام 1967 الى ما يزيد قليلا عن واحد في المئة في الوقت الحالي. واكدت اغابيكيان ان هذا التراجع يمثل جرس انذار للعالم المسيحي بضرورة الالتفات الى معاناة الفلسطينيين الذين يطلقون على انفسهم اسم الحجارة الحية في اشارة الى تجذرهم التاريخي في هذه الارض المقدسة. وبينت ان التحديات لا تقتصر على الجانب الاقتصادي بل تمتد لتشمل الشعور العام بعدم الامان في ظل غياب سيادة القانون وتوسع الانشطة الاستيطانية.
واظهرت التطورات الميدانية في بلدة الطيبة شمال شرق رام الله حجم الضغوط التي يتعرض لها السكان حيث وثقت الكنائس مغادرة خمس عشرة عائلة منذ اكتوبر الماضي. واوضح الاب بشار فواضله ان البلدة التي كانت تعد معقلا للمسيحيين تعرضت لاعتداءات طالت حتى المقدسات التاريخية مثل كنيسة القديس جورج الاثرية. واضاف ان المعاناة اليومية الناتجة عن الحواجز العسكرية والمضايقات جعلت التفكير في المستقبل امرا محتوما للعائلات التي تبحث عن الحد الادنى من الكرامة والامان.
وكشف مدير المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية خليل الشقاقي ان استطلاعات الرأي تظهر ان رغبة المسيحيين في الهجرة تفوق نظيرتها لدى باقي فئات المجتمع الفلسطيني. واظهرت الدراسات ان القلق من عدم الاستقرار وتنامي نفوذ الجماعات المتشددة يمثلان دافعا اضافيا يدفع الشباب المسيحي للبحث عن بدائل خارج البلاد. واكد الشقاقي ان كافة المؤشرات الاجتماعية والاقتصادية تدهورت بشكل كبير خلال السنوات الاخيرة مما يجعل خيار الهجرة يتصدر اولويات الكثير من العائلات التي لم تعد ترى في البقاء خيارا آمنا.









