معضلة تسعير الادوية في المغرب بين مطرقة القدرة الشرائية وسندان ندرة الاصناف
تتصاعد حدة النقاش في الاوساط المغربية حول سياسة تسعير الادوية في ظل تباين الرؤى بين ضرورة تخفيف العبء المالي عن المرضى وبين المخاوف الجدية من انعكاسات هذه الخطوات على توفر المستلزمات الطبية في الصيدليات. وتجد الحكومة نفسها امام تحدي موازنة دقيق يربط بين حماية القدرة الشرائية للمواطن وبين ضمان استمرارية القطاع الصيدلاني الذي يواجه ضغوطا اقتصادية متزايدة تهدد استقراره المالي.
وتشير تقارير مهنية إلى ان التوجه نحو خفض الاسعار بشكل عشوائي قد يفاقم من ازمة ندرة بعض الاصناف الحيوية في السوق. ويوضح خبراء ان الشركات المصنعة قد تلجأ الى ايقاف انتاج او استيراد الادوية منخفضة التكلفة حينما تصبح غير مربحة اقتصاديا مما يضع المريض في مواجهة مباشرة مع خيارات محدودة او انقطاعات متكررة في سلاسل التوريد.
ويؤكد مهنيون في القطاع ان اي اصلاح جذري لمنظومة الاسعار يجب ان يستهدف الادوية باهظة الثمن والمستوردة بدلا من المساس بالاصناف ذات التكلفة المنخفضة التي يعتمد عليها شريحة واسعة من ذوي الدخل المحدود. ويبين الصيادلة ان هوامش ربحهم مرتبطة بشكل مباشر بسعر البيع العمومي مما يعني ان اي خفض غير مدروس قد يدفع مئات الصيدليات نحو الافلاس والاقفال النهائي.
التوازن الصعب بين الصحة والاقتصاد
واضاف صيادلة ان ما يناهز اربعين في المئة من الصيدليات في المملكة تعاني حاليا من اختلالات مالية حادة تهدد ديمومتها. وشدد هؤلاء على ان استمرار الضغط على اسعار الادوية دون بدائل تعويضية سيؤدي الى تكرار سيناريوهات الازمات التي شهدتها دول اوروبية حيث اضطرت صيدليات عديدة لرفع الراية البيضاء بسبب غياب التوازن المالي.
وبين مواطنون ان معاناة البحث عن الادوية المفقودة لا تزال قائمة خاصة في حالات الامراض المزمنة والسرطان. واكد شهود عيان انهم يضطرون احيانا لطلب علاجاتهم من الخارج بتكاليف مضاعفة او انتظار اسابيع لوصول الدواء في حين تظل الاسعار المحلية مرتفعة مقارنة بالقدرة الشرائية لقطاع عريض من المجتمع المغربي.
وكشفت معطيات ميدانية ان تحديد اسعار الادوية يظل من اختصاص السلطات الحكومية المركزية وليس الصيادلة. واوضح مهنيون ان الصيدلي مجرد منفذ للاسعار المحددة في الجريدة الرسمية ولا يملك اي هامش للمناورة في التسعير مما يجعل تحميلهم مسؤولية ارتفاع التكاليف امرا غير دقيق ومجافيا للواقع المهني.
مستقبل القطاع الصحي في ظل التحولات الرقمية
واشار مراقبون الى ان الحكومة المغربية اقرت مؤخرا مراسيم جديدة تهدف لمراجعة نظام التسعير كجزء من خطة اشمل لتعزيز التغطية الصحية الوطنية. واضافوا ان الهدف من هذه الخطوة هو تقليص فاتورة العلاج وضمان وصول المواطنين للادوية الضرورية دون المساس بسلامة واستدامة المنظومة الصحية ككل.
واكد مسؤولون ان هذه الاجراءات تتزامن مع اطلاق منظومة معلوماتية وطنية مدمجة تهدف الى رقمنة القطاع بشكل كامل. وموضحين ان هذه الخطوة ستساهم في تعزيز تبادل البيانات وتطوير كفاءة الخدمات الصحية مما يمهد الطريق لحلول مبتكرة تضمن توفر الادوية وتخفف الاعباء المالية عن كاهل المرضى واسرهم في مختلف انحاء البلاد.
وخلص المتخصصون الى ان نجاح اي سياسة دوائية جديدة مرهون بمدى اشراك كافة الفاعلين في القطاع في دراسات الاثر قبل التنفيذ. وشددوا على ان التحدي الحقيقي يكمن في ايجاد صيغة توافقية تحمي المريض وتضمن استمرار الصيدليات كركيزة اساسية في منظومة الرعاية الصحية الوطنية.









