ازمة الفقر الغذائي تهدد مستقبل اطفال ليبيا في ظل الانقسام السياسي

ازمة الفقر الغذائي تهدد مستقبل اطفال ليبيا في ظل الانقسام السياسي

يواجه اطفال ليبيا واقعا صحيا واجتماعيا مقلقا بعدما اظهرت مسوحات رسمية حديثة ان نحو نصفهم يعيشون حالة من الفقر الغذائي الحاد، وهو ما يشير الى تداعيات خطيرة تتجاوز مجرد نقص السعرات الحرارية لتصل الى تهديد سلامة النمو البدني والذهني لجيل كامل، حيث يعتقد مراقبون ان هؤلاء الصغار يدفعون ثمنا باهظا لسنوات طويلة من التشرذم السياسي والانقسام الذي عطل مؤسسات الدولة واثر بشكل مباشر على القدرة الشرائية للاسر الليبية.

واوضحت البيانات الصادرة عن مصلحة الاحصاء والتعداد ان نسبة الاطفال الذين يعانون من فقر غذائي وصلت الى 49.9 في المئة، بينما لا يحصل سوى 29.6 في المئة منهم على الحد الادنى المقبول من الوجبات اليومية المتوازنة، وكشفت النتائج ايضا فجوة كبيرة في النظام الغذائي حيث تفتقر موائد نحو 40 في المئة من الاطفال الذين تتراوح اعمارهم بين عامين وستة اعوام الى مصادر البروتين الضرورية مثل البيض واللحوم.

واكد مختصون ان هذه المؤشرات لا تمثل مجرد ارقام عابرة بل تعكس ازمة معيشية متجذرة تتزامن مع تآكل الدخل الفردي وارتفاع معدلات التضخم، حيث تحتاج الاسرة الليبية الى دخل شهري مرتفع يتجاوز بكثير متوسط الرواتب الحالية لتامين احتياجاتها الاساسية، مما يجعل توفير غذاء صحي ومتنوع ترفا لا يقدر عليه الكثير من ارباب الاسر في ظل الظروف الاقتصادية الخانقة.

انعكاسات الانقسام على صحة الاجيال الجديدة

وبين طبيب الاسنان خالد الشارف ان العيادات الطبية باتت تستقبل حالات متزايدة من مشكلات نمو العظام وتطور الفكين لدى الاطفال، موضحا ان هذه الظواهر مرتبطة بشكل وثيق بنقص العناصر الغذائية الحيوية، واشار الى ان الاثار الصحية الناجمة عن سوء التغذية قد ترافق الاطفال طوال حياتهم، مما يضع مستقبلهم الصحي على المحك في ظل غياب سياسات وطنية فاعلة لمعالجة هذا الخلل.

واضاف رئيس منتدى بنغازي للتطوير الاقتصادي والتنمية خالد بوزعكوك ان الضغوط الاقتصادية لا تتوقف عند حدود المائدة، بل تمتد لتشمل حرمان الاطفال من الانشطة المدرسية والرياضية، مشددا على ان الفقر الغذائي يعد جزءا من سلسلة ضغوط متشابكة تفرضها الازمات الامنية والسياسية التي تسببت في تدهور القوة الشرائية للدينار الليبي وجعلت الاسر في حالة صراع دائم لتوفير لقمة العيش.

وتابع بوزعكوك ان الدراسات الميدانية تؤكد وجود فجوة كبيرة بين تكلفة المعيشة والدخل المتاح، محذرا من ان استمرار هذه الفجوة سيؤدي الى تداعيات طويلة الامد على مستوى التعليم والاندماج الاجتماعي، حيث اصبحت تكاليف الحياة اليومية تلتهم ميزانيات الاسر وتدفعها نحو خيارات غذائية اقل جودة واكثر اعتمادا على النشويات والدهون الرخيصة.

ثقافة التغذية في مواجهة الواقع الاقتصادي

وكشفت اخصائية التغذية هبة الشيباني ان التحدي لا يقتصر فقط على توافر الغذاء، بل يمتد الى ضرورة تعزيز الوعي الغذائي لدى العائلات، موضحة ان ليبيا تمتلك تنوعا غذائيا جيدا لكن العادات الاستهلاكية وطرق اختيار الاطعمة تلعب دورا محوريا في تفاقم المشكلة، واضافت ان السنوات الاخيرة شهدت تحسنا نسبيا في الاهتمام بالصحة العامة، الا ان هذا الوعي يظل حبيس القدرة المالية التي تمنع الكثيرين من تطبيق انظمة غذائية صحية.

واكدت التقارير الدولية الصادرة عن منظمات اممية ان انعدام الامن الغذائي في ليبيا يظل تحديا قائما يتطلب حلولا جذرية تتجاوز المساعدات الطارئة، حيث يرى الخبراء ان استقرار الوضع السياسي والاقتصادي هو المدخل الوحيد لضمان حصول الطفل الليبي على حقه في التغذية السليمة، مما يقلل من الاعباء المستقبلية على قطاع الصحة العامة ويضمن نشأة جيل يتمتع بالقدرات البدنية والذهنية اللازمة للمشاركة في بناء البلاد.

واوضحت الدراسات ان المفهوم العلمي للفقر الغذائي يعتمد على قدرة الاسرة على الوصول المنتظم لغذاء آمن ومغذ يلبي الاحتياجات البيولوجية، وهو ما تفتقده نسبة كبيرة من المجتمع الليبي حاليا، مما يجعل من ملف الامن الغذائي للطفل اولوية قصوى يجب ان تتصدر اجندة اي حوار وطني يهدف الى انتشال البلاد من تبعات الانقسام المزمن.

 
جميع الحقوق محفوظة للوقائع الإخبارية © 2026
لا مانع من الاقتباس وإعادة النشر شريطة ذكر المصدر ( الوقائع الإخبارية )
تصميم و تطوير VERTEX web solutions