جحيم التنقل في غزة: كيف تحولت رحلة الدقائق الى مغامرة شاقة وسط الركام
لم تعد المسافات في قطاع غزة تقاس بالامتار او الكيلومترات بل باتت تحسب بالساعات من العناء والانتظار في طرق لم تعد صالحة للاستخدام الادمي. فبعد ان كانت الرحلة التي تربط بين مدن القطاع لا تتجاوز النصف ساعة في الاوقات العادية اصبحت اليوم تستنزف ساعات طويلة من وقت السكان الذين يضطرون لمواجهة وعورة المسارات والركام الذي يملأ الطرقات في كل اتجاه. وتكشف المعاناة اليومية للمواطنين عن واقع مرير حيث يتوقف السائقون عن اكمال مسارهم في نقاط معينة ليضطر الركاب الى اكمال الطريق سيرا على الاقدام او عبر وسائل نقل بدائية لا تقي حر الصيف ولا برد الشتاء.
واظهرت تقارير دولية حديثة صادرة عن البنك الدولي والامم المتحدة ان شبكة الطرق في القطاع تعرضت لدمار هائل طال نحو 87 بالمئة من اجمالي المساحات المعبدة. واوضحت البيانات ان الخسائر في قطاع النقل والبنية التحتية بلغت مليارات الدولارات مما يعكس حجم الكارثة التي لا تقتصر على الاسفلت فحسب بل تمتد الى شبكات المياه والصرف الصحي والجسور التي كانت تمثل الشرايين الحيوية للحياة اليومية. وبينت صور الاقمار الصناعية التي التقطتها مراكز دولية متخصصة ان الاف الكيلومترات اصبحت خارج الخدمة تماما او تضررت بشكل بالغ لا يسمح بمرور المركبات بشكل طبيعي.
واكد مهندسون شاركوا في مشاريع البنية التحتية سابقا ان اعادة تأهيل هذه الطرق ليست عملية سطحية بسيطة بل تتطلب جهدا هندسيا مكثفا يشمل معالجة طبقات الارض الاساسية والشبكات التحتية قبل التفكير في الرصف. واشار المختصون الى ان التسرع في اصلاح الطبقة السطحية دون معالجة البنية التحتية المهدمة سيؤدي الى تكرار الانهيارات في الشوارع لاحقا. وشدد الخبراء على ان ازالة الركام وفحص جسم الطريق هما الخطوة الاولى والضرورية لاي عملية اصلاح مستقبيلة تضمن سلامة المواطنين وحركة المرور.
واقع السائقين والازمة المعيشية الخانقة
وقال السائق محمد ابو جامع ان مهنته تحولت الى رحلة بحث مستمرة عن قطع الغيار والزيوت التي ارتفعت اسعارها بشكل جنوني في ظل الحصار والدمار. واضاف ان الرحلة التي كانت تكلف مبالغ زهيدة اصبحت اليوم عبئا ماليا كبيرا على المواطن البسيط بسبب استهلاك المركبات المتزايد للوقود وتكرار الاعطال الناتجة عن وعورة الطرقات والحفر العميقة. واكد ان الاطارات ومضخات الوقود باتت تالفة بشكل شبه دائم مما يجعل الصيانة الدورية امرا مكلفا جدا لا يقوى عليه معظم السائقين في الوقت الحالي.
واوضح ابو جامع ان سعر لتر الزيت والوقود وصل الى ارقام قياسية جعلت من حركة النقل عملية خاسرة في كثير من الاحيان. وبين ان العديد من السائقين يضطرون لرفع الاجرة لتغطية تكاليف الاصلاح المتكررة بينما يظل المواطن هو المتضرر الاول من هذا الارتفاع. وذكر ان المركبات اصبحت تعمل فوق طاقتها الاستيعابية في مسارات ضيقة وغير ممهدة مما يزيد من مخاطر الحوادث المرورية التي تقع بشكل يومي في مختلف مناطق القطاع.
وكشفت الشهادات الميدانية ان انعدام الانارة في الشوارع المدمرة وتداخل خيام النازحين مع مسارات الطرق جعل من التنقل ليلا مغامرة خطيرة للغاية. واضاف السائقون ان العديد من الطرق اصبحت مغلقة تماما بسبب تراكم الانقاض مما يضطرهم لسلوك طرق فرعية وعرة تزيد من مسافة الرحلة الزمنية. وشدد هؤلاء على ان غياب البدائل المعبدة يفرض واقعا قاسيا على الجميع لا سيما في حالات الطوارئ التي تتطلب سرعة الوصول.
تحديات العمل الصحفي وخدمات الطوارئ
وقالت الصحفية سماح شاهين ان عملها الميداني اصبح تحديا يوميا نظرا لصعوبة التنقل بين المدن والوصول الى اماكن التغطية الاعلامية. واضافت ان الكثير من القصص الصحفية يتم الغاؤها او تأجيلها بسبب تعطل المواصلات او عدم القدرة على تجاوز الحفر والركام الذي يقطع اوصال الطرق الرئيسية. وبينت ان الصحفيين يضطرون احيانا للمبيت في مناطق عملهم لتجنب عناء التنقل الذي قد يستغرق ساعات طويلة في ظروف جوية صعبة.
واكدت ان الاعتماد على السير على الاقدام اصبح خيارا اضطراريا في المسافات القصيرة لتفادي الاعطال المستمرة في السيارات الخاصة. واوضحت ان هذا الواقع يحد من قدرة الطواقم الاعلامية على نقل الصورة الحقيقية لما يجري في الميدان بشكل سريع وفعال. وشدد الصحفيون على ان الطرق هي شريان الحياة لاي عمل مهني او انساني وان تدميرها يعني شللا تاما في كافة القطاعات الحيوية.
واظهرت التقارير ان سيارات الاسعاف والدفاع المدني تواجه هي الاخرى صعوبات بالغة في الوصول الى اماكن الاستغاثة بسبب ضيق المسارات والركام المتراكم. واشار مراقبون الى ان كل دقيقة تضيع في الطريق المتهالك قد تعني فقدان حياة بشرية تحتاج الى مساعدة عاجلة. واكد المختصون ان الاولوية القصوى يجب ان تمنح لفتح المحاور الرئيسية التي تربط المناطق السكنية ببعضها لضمان استمرار عمل الطواقم الطبية والخدماتية في ظل الظروف الراهنة.









