مناورات بغداد الامنية.. لماذا تراجعت الحكومة عن مواجهة الفصائل المسلحة
شهدت الساحة السياسية والامنية في العراق تحولا لافتا في ادارة ملف حصر السلاح بيد الدولة وذلك بعد ان اقدمت القوات الحكومية على خطوة جريئة تمثلت باعتقال قيادي بارز في حركة النجباء قبل ان تعود لتسليمه الى امن هيئة الحشد الشعبي. وتكشف هذه الخطوة عن رغبة حكومة رئيس الوزراء علي الزيدي في اختبار مدى قدرتها على فرض هيبة القانون مع الحرص الشديد على تجنب الانزلاق نحو صدام مباشر ومفتوح مع الفصائل المسلحة التي تمتلك نفوذا واسعا في البلاد.
واوضحت مصادر مطلعة ان قوة من جهاز مكافحة الارهاب نفذت عملية توقيف عباس حسين اليعقوبي المسؤول الاستخباراتي في الحركة بموجب مذكرات قضائية على خلفية اتهامات تتعلق باستهداف مصالح اجنبية داخل الاراضي العراقية. وبينت التقارير ان عملية النقل السريعة للمعتقل من قبضة جهاز مكافحة الارهاب الى المديرية العامة لامن الحشد الشعبي جاءت كرسالة تهدئة لامتصاص غضب الفصائل التي لوحت بتهديدات تصعيدية ضد الحكومة.
واكد المتحدث باسم الحكومة حيدر العبودي ان الاعتقال جرى وفق السياقات القانونية المتبعة مشيرا الى ان الدولة ماضية في خطتها لحصر السلاح وتطبيق النظام على الجميع دون استثناء. واضاف العبودي ان الحكومة تضع نصب اعينها المصلحة الوطنية العليا لتجنيب البلاد اي عزلة دولية او توترات امنية قد تنتج عن تعارض المصالح بين المؤسسات الرسمية والجهات المسلحة خارج اطار الدولة.
ابعاد الصراع على السلاح
وتشير المعطيات الميدانية الى ان قضية اليعقوبي لم تكن مجرد اجراء جنائي عادي بل تحولت الى اختبار لقوة ارادة الحكومة في فرض سيادتها على الملف الامني. وشددت اوساط سياسية على ان الفصائل المسلحة تنظر الى هذه الخطوات الحكومية بوصفها محاولة لتقويض نفوذها وهو ما دفع ببعض القيادات الى اطلاق تحذيرات شديدة اللهجة تطالب بجدول زمني لخروج القوات الاجنبية كشرط مسبق لاي حوار حول تنظيم السلاح.
وكشفت التحركات الاخيرة عن وجود وساطات سياسية قادها زعيم منظمة بدر هادي العامري لتهدئة الاوضاع ومنع تدهور الموقف بين الحكومة والفصائل المسلحة. واظهرت تلك الوساطات حجم الضغوط التي يتعرض لها رئيس الوزراء في ظل انقسام المواقف داخل الاطار التنسيقي حول كيفية التعامل مع ملف السلاح والسعي لضمان عدم حدوث فراغ امني.
وبينت التحليلات ان الحكومة تواجه تحديا مركبا يتمثل في محاولة الموازنة بين تنفيذ التزاماتها الدولية بضبط السلاح وبين الحفاظ على استقرار الجبهة الداخلية الهشة. واكد مراقبون ان لجوء الحكومة الى القضاء في هذه الواقعة يعكس توجها جديدا لاستخدام المؤسسات الدستورية كغطاء قانوني لخطواتها القادمة في مواجهة السلاح المنفلت.
مستقبل التوافقات السياسية
واضاف رئيس ائتلاف دولة القانون نوري المالكي ان هناك لجنة مشتركة ستعمل على وضع اليات تنفيذية لحصر السلاح بالتنسيق مع الحكومة وبما يضمن الحوار الوطني كمسار وحيد للحل. واكد المالكي خلال لقاءاته الدبلوماسية على ان الدولة هي المرجعية الوحيدة في ادارة الملفات العسكرية والامنية وهو ما لاقى ترحيبا من القائم باعمال السفارة الامريكية في بغداد.
واوضحت التقارير ان التوقيت الذي اختارته الحكومة يتقاطع مع اقتراب موعد انتهاء مهام التحالف الدولي في العراق وهو ما يجعل ملف السلاح اكثر حساسية من اي وقت مضى. واشارت الى ان رئيس الوزراء يركز في هذه المرحلة على تعزيز قدرات الدفاع الجوي الوطني كبديل استراتيجي لضمان امن البلاد بعيدا عن التجاذبات المسلحة.
وكشفت الاحداث الاخيرة ان الحكومة العراقية باتت تتبع سياسة الخطوة بخطوة لاختبار قواعد اللعبة الجديدة في البلاد. واكدت الوقائع ان بغداد تدرك ان فرض السلطة المطلقة يتطلب وقتا طويلا وتوافقات سياسية معقدة لتفادي كلفة الصدام التي قد تكون باهظة على استقرار النظام السياسي القائم.









