رحلة سقوط المليارات.. كواليس انهيار المصارف اللبنانية وضياع مدخرات المودعين

رحلة سقوط المليارات.. كواليس انهيار المصارف اللبنانية وضياع مدخرات المودعين

لم تكن الحادثة التي شهدتها احدى المصارف اللبنانية قبل سنوات عندما اقتحمت مودعة فرعا بنكيا للمطالبة بمدخراتها لعلاج شقيقتها مجرد واقعة فردية عابرة. بل كشفت تلك اللحظات عن عمق الفجوة بين ارقام الحسابات المسجلة والواقع المرير الذي وجد فيه المودعون انفسهم عاجزين عن الوصول الى اموالهم. واظهرت هذه الازمة ان النظام المصرفي الذي طالما تغنت به الدولة قد دخل في نفق مظلم من الانهيار الذي طال جذور الاقتصاد الوطني.

واضاف المحللون ان بداية هذه الحقبة المظلمة تعود الى اوائل التسعينات عندما تولى رياض سلامة قيادة مصرف لبنان ليرسم سياسة نقدية استمرت ثلاثة عقود. وبينت التقارير ان النموذج المالي اللبناني اعتمد بشكل مفرط على استقطاب الودائع وتحويلات المغتربين مع الحفاظ على سعر صرف ثابت لليرة مقابل الدولار لسنوات طويلة.

واكد الخبراء ان هذا النموذج اعتمد على اسعار فائدة مرتفعة لجذب السيولة وتوظيفها في تمويل عجز الدولة وتغطية التزاماتها. موضحين ان القطاع المصرفي اصبح مرتبطا بشكل عضوي بقرارات الحكومة ومصرف لبنان مما جعل اموال المودعين اداة لتمويل الاقتصاد العاجز بدلا من استثمارها في مشاريع منتجة.

الهندسة المالية.. تأجيل الانفجار

وكشفت البيانات ان السلطات النقدية لجأت عام 2016 الى ما عرف بالهندسات المالية بهدف تعزيز الاحتياطيات النقدية. واظهرت هذه العمليات نجاحا مؤقتا في رفع ارقام الاحتياطي الى مستويات قياسية لكنها في المقابل عمقت الانكشاف المالي للمصارف على الدولة وزادت من حدة المخاطر.

واوضحت الدراسات ان هذه العمليات لم تكن سوى وسيلة لشراء الوقت وتأجيل الانفجار المحتوم بدلا من معالجة الاختلالات الهيكلية في الاقتصاد. واضاف المراقبون ان الاموال التي كان يفترض ان تكون متاحة للمودعين اصبحت رهينة لسياسات نقدية معقدة ربطت السيولة بمصير الدولة المتعثر.

وتابعت التقارير الاقتصادية ان تلك الهشاشة تزامنت مع تحولات سياسية اقليمية كبرى. وبينت ان لبنان تحول الى قناة حيوية لحركة الدولار والسلع نحو سوريا في ظل العقوبات الدولية المفروضة. واكدت ان شبكات نفوذ مرتبطة بقوى سياسية استفادت من ضغوط مورست على مصرف لبنان لضخ الدولار في السوق المحلي وتمريره عبر الحدود.

الدولة تتعثر والمصارف تتهاوى

وكشفت الازمة عن وجهها الحقيقي عام 2019 حين بدأت تدفقات العملة الصعبة بالتراجع بشكل حاد. واظهرت الاحتجاجات الشعبية حالة الغضب العارم ضد الطبقة السياسية والفساد المستشري الذي ادى الى اغلاق المصارف ابوابها وفرض قيود صارمة على حركة الاموال.

واضاف المتابعون ان المفارقة المؤلمة تمثلت في وجود الاموال على الورق داخل الحسابات مع فقدان المودعين لأي قدرة على سحبها او تحويلها. وبينت الوقائع ان تآكل قيمة العملة الوطنية ادى الى ضياع القوة الشرائية للمدخرات مما حول المودعين الى الضحية الاكبر في هذا الانهيار الشامل.

وشدد الخبراء على ان حكومة حسان دياب ورثت تركة ثقيلة من الازمات في عام 2020. واوضحوا ان التوقف عن سداد سندات اليوروبوند شكل الضربة القاضية التي ادت الى اول تعثر سيادي في تاريخ البلاد وسط عجز تام عن وضع خطة تعافي مقبولة.

نهاية حقبة سلامة وبقاء الازمة

وكشفت التطورات القضائية الاخيرة عن ملفات فساد واختلاس واثراء غير مشروع طالت حاكم مصرف لبنان السابق. واظهرت التحقيقات ان الرجل كان بمثابة الصندوق الاسود لسياسات مالية استمرت طويلا وساهمت في تراكم الخسائر التي لم تقتصر على جهة واحدة بل شملت منظومة متكاملة من المصالح.

واضاف المحللون ان اختزال الازمة في شخص واحد يعد تبسيطا مخلا للواقع. موضحين ان الانهيار كان نتيجة نموذج مالي شاركت في صياغته حكومات متعاقبة ومصارف وقوى سياسية نافذة لم تكن تضع في حساباتها مصلحة المودع البسيط.

واكد التقرير ان لبنان لا يزال يعيش تداعيات هذا السقوط الكبير. وبين ان غياب الحلول الجذرية واستمرار القيود على الودائع يجعل من الازمة المالية اللبنانية واحدة من اعمق الكوارث الاقتصادية التي شهدها العالم في العصر الحديث.

 
جميع الحقوق محفوظة للوقائع الإخبارية © 2026
لا مانع من الاقتباس وإعادة النشر شريطة ذكر المصدر ( الوقائع الإخبارية )
تصميم و تطوير VERTEX web solutions