ازمة مفوضية حوض النيل ومستقبل التعاون المائي في ظل التعنت الاثيوبي
تواجه طموحات اثيوبيا في تفعيل مفوضية حوض النيل عوائق جوهرية ناتجة عن تحفظات مصرية وسودانية راسخة تجاه اتفاقية عنتيبي. وتجد المفوضية نفسها اليوم في حالة من الجمود السياسي والتنظيمي حيث ترفض دولتا المصب القبول بآليات لا تراعي حقوقهما التاريخية في مياه النهر. واظهرت التطورات الاخيرة ان مستقبل هذا الكيان يظل مرهونا بقدرة الاطراف المعنية على تجاوز الخلافات العميقة التي تعطل الوصول الى صيغة توافقية شاملة تضمن الامن المائي لجميع الدول.
وكشفت اديس ابابا عن استيائها من الموقف المصري والسوداني متهمة اياهما بعرقلة المسارات التنفيذية للاتفاقية. واضافت المصادر الرسمية الاثيوبية ان المعارضة المستمرة من القاهرة والخرطوم تساهم في اطالة امد العملية الانتقالية للمفوضية. وبين المحللون ان هذا الخطاب الاثيوبي ياتي في اطار حملة اعلامية تهدف الى الضغط على دول المصب وفرض واقع مائي جديد يتجاوز الاتفاقيات الدولية السابقة.
واكد الخبراء ان هذا الملف يمثل احد اعقد التحديات في القارة الافريقية نظرا لاعتماد مصر والسودان الكلي على مياه النيل. وشدد المراقبون على ان الاصرار الاثيوبي على فرض رؤى احادية الجانب سيؤدي حتما الى طريق مسدود. واوضح المتابعون للمشهد ان المفاوضات الجارية بوساطة دولية لم تحقق حتى الان اي اختراق حقيقي ينهي حالة العزلة التي تعاني منها اتفاقية عنتيبي.
التحديات القانونية والحصص المائية
وتتمسك القاهرة والخرطوم بالاتفاقيات التاريخية التي حددت حصص المياه منذ عقود طويلة. واكدت وزارة الري المصرية في اكثر من مناسبة ان اي ترتيبات جديدة يجب ان تقوم على اسس قانونية تراعي الضرورات الحياتية للمجتمعات التي تعيش على ضفاف النهر. واشارت التقارير الى ان الدولتين ترفضان اتفاقية عنتيبي لانها تفتقر الى مبادئ الاخطار المسبق وآليات التصويت بالإجماع التي تحمي حقوق الجميع.
واوضحت العمليات التشاورية التي انطلقت في اوغندا ان هناك مساعي لتقريب وجهات النظر بين الدول الموقعة وتلك المتحفظة. واضافت المصادر ان اللجنة السباعية المشكلة لهذا الغرض تسعى لايجاد مخرج يحفظ تماسك دول حوض النيل. وبينت التحركات الدبلوماسية ان هناك رغبة في العودة الى طاولة الحوار بدلا من سياسة فرض الامر الواقع التي تتبناها بعض الاطراف.
وكشفت التقديرات ان اعتماد بعض دول الحوض على مياه النيل لا يتجاوز الواحد بالمئة بينما يمثل النهر شريان الحياة الوحيد لمصر والسودان. واكد الخبراء ان التفاوت في الاحتياجات المائية يتطلب نهجا تشاركيا لا يغلب مصلحة طرف على حساب الاخر. وشددت الدراسات الفنية على ان اي مشروع مائي ضخم يجب ان يخضع لتقييمات دقيقة لتجنب حدوث اضرار جسيمة لدول المصب.
مسارات التحرك المصري
وتعمل مصر من خلال استراتيجية متعددة الابعاد للتعامل مع هذه الازمة المتفاقمة. واضافت الحكومة المصرية انها ماضية في تعزيز التعاون المائي مع دول الحوض من خلال مشاريع تنموية ملموسة كما حدث في تنزانيا. وبينت التحركات ان القاهرة لا تمانع في التشاور الفني والسياسي لكنها ترفض المساس بحقوقها المائية الثابتة.
واكد صناع القرار ان المسار الاول يعتمد على رفض السياسات الاثيوبية الاحادية التي تفتقر للشفافية. واوضحت المسارات الاخرى ان تعزيز العلاقات الثنائية مع دول حوض النيل يمثل اداة ضغط ناعمة وفعالة. وشددت الرؤية المصرية على ان الوصول الى توافق شامل هو السبيل الوحيد لانجاح اي مفوضية دائمة لحوض النيل.
وكشفت المعطيات الحالية ان ملف سد النهضة يظل حاضرا كعامل اساسي في تعقيد المشهد المائي. واضاف المحللون ان تجميد المفاوضات لفترات طويلة ادى الى تآكل الثقة بين اديس ابابا والقاهرة. وبينت التوقعات ان الوضع سيبقى عالقا ما لم تظهر ارادة سياسية حقيقية تضع مصلحة شعوب دول الحوض فوق اي طموحات سياسية ضيقة.









