معضلة السكن في مصر.. لماذا لا تنهي وفرة العقارات معاناة المواطنين؟

معضلة السكن في مصر.. لماذا لا تنهي وفرة العقارات معاناة المواطنين؟

يواجه الكثير من الشباب المصري تحديات معيشية قاسية في مسار البحث عن مسكن ملائم، حيث تظل احلام الاستقرار مؤجلة في ظل فجوة واسعة بين مستويات الدخل والايجارات المتصاعدة. ويؤكد عمر طارق، وهو موظف في الثلاثينات من عمره، ان الحصول على شقة بات امرا بالغ الصعوبة، خاصة مع ارتفاع تكاليف المعيشة التي تلتهم الجزء الاكبر من راتبه المحدود، مما يجعله عاجزا عن الاستقلال في سكن خاص بعيدا عن عائلته.

واضاف طارق ان اسعار الايجارات في المناطق المتوسطة اصبحت تفوق قدرته المالية بشكل كبير، مشيرا الى ان راتبه لا يكاد يغطي الاحتياجات الاساسية، ناهيك عن دفع ايجار شهري مرتفع. وبين ان الواقع الحالي يفرض على الكثيرين من ابناء الطبقة الوسطى والفقيرة التضحية بجودة الحياة او اللجوء الى مناطق اقل مستوى في محاولة يائسة لتوفير سقف يأويهم.

وكشفت بيانات القطاع العقاري ان الازمة لا تكمن في قلة الوحدات السكنية، بل في طبيعة توزيعها وتوجهها نحو فئات معينة. واوضح خبراء في الاستثمار العقاري ان السوق يشهد وفرة في الوحدات الموجهة للطبقات الغنية، بينما تعاني الطبقة الوسطى من ندرة الخيارات التي تناسب دخلها الشهري، مما خلق خللا واضحا في التوازن بين العرض والطلب الحقيقي.

جذور الازمة وتحديات القدرة الشرائية

واكد الباحث العمراني يحيي شوكت ان ازمة السكن في مصر هي بالاساس ازمة قدرة شرائية متراكمة عبر سنوات طويلة. واشار الى ان الاعتماد على البناء الذاتي كان السبيل الوحيد امام غالبية المصريين لامتلاك مسكن، بينما يظل الشراء من السوق العقاري خيارا محدودا للغاية لضعف المداخيل مقارنة بالاسعار المبالغ فيها.

واضاف شوكت ان تحويل العقارات الى مخزن للقيمة وجذب الاستثمارات الاجنبية ادى الى تنافس غير عادل، مما زاد من الضغوط على المواطن المحلي. واشار الى ان السياسات الحكومية التي تهدف الى تدويل السوق العقاري قد ساهمت بشكل غير مباشر في اضعاف القدرة الشرائية للمصريين، مما جعل حلم التملك بعيد المنال عن متناول اليد.

وتابع شوكت موضحا ان نماذج مثل رباب محمد، التي تنقلت بين عدة شقق وتدفع معظم دخلها كايجار، تمثل جانبا كبيرا من معاناة الاسر المصرية. وبين ان غياب التوازن بين الدخل والايجار دفع الكثيرين نحو الاقتراض المستمر لتغطية نفقات السكن، وهو ما ينذر بتبعات اجتماعية واقتصادية صعبة على المدى البعيد.

حلول حكومية تحت المجهر

واشار الخبير الاقتصادي عاطف وليم الى ان الحد الادنى للدخل الذي يضمن حياة كريمة للمواطن في ظل هذه الاوضاع يجب ان يتجاوز معدلاته الحالية بشكل كبير. واوضح ان مشاريع الاسكان الاجتماعي رغم ضخامتها، الا انها لا تزال تصطدم بعقبات مثل مقدمات الحجز المرتفعة التي يعجز عنها ذوو الدخل المحدود.

واضاف ان التوجه الحكومي لطرح وحدات بنظام الايجار يعد خطوة ايجابية، الا انها تظل غير كافية امام حجم الطلب الهائل. وشدد على ضرورة ابتكار حلول اكثر مرونة، مثل تحفيز الملاك على تأجير وحداتهم بضوابط اجتماعية مقابل مزايا ضريبية، بدلا من ترك السوق رهينة لآليات العرض والطلب التي تخدم المستثمرين فقط.

واكد الباحث الاقتصادي محمد مهدي عبد النبي ان الدولة تمتلك الادوات اللازمة للتدخل وضبط ايقاع السوق العقاري. وبين ان الركود الذي يشهده قطاع العقارات حاليا يعود الى تحول الوحدات من بيوت للسكن الى اصول مالية جامدة، مشددا على ان الحل يتطلب سياسات جريئة تعيد الاعتبار للوظيفة الاجتماعية للسكن لضمان الامن المجتمعي والطبقي.

 
جميع الحقوق محفوظة للوقائع الإخبارية © 2026
لا مانع من الاقتباس وإعادة النشر شريطة ذكر المصدر ( الوقائع الإخبارية )
تصميم و تطوير VERTEX web solutions