حرب السودان تلتهم موائد المواطنين.. رحلة البحث عن القوت بين بقايا العظام والديون
تستيقظ سهام الستينية كل يوم في مدينة ام درمان وهي لا تملك في جعبتها سوى الامل في الحصول على عمل بسيط يوفر قوت يومها. تبدأ رحلتها الشاقة في الاسواق بحثا عن اي مهمة شاقة مقابل مبالغ زهيدة لا تكاد تسد الرمق او تشتري ابسط مقومات الحياة. وحين تخيب مساعيها في الحصول على اجر يومي تضطر الى الوقوف امام محلات الجزارة بانتظار شفقة اصحابها للحصول على قطع شحم او عظام كانت في السابق تُلقى للكلاب الضالة.
واوضحت سهام في حديثها ان الاحساس بالمهانة يطاردها يوميا لكنها تقنع نفسها بان هذا السبيل اهون بكثير من ممارسة السرقة. واكدت ان حياتها اصبحت سلسلة من المعاناة اليومية في بلد مزقته الحروب الطويلة ودفعت ملايين السودانيين الى حافة الهاوية حيث بات توفير رغيف الخبز او شربة الماء معركة يومية تستنزف طاقة الاسر.
وكشفت جولات ميدانية في اسواق ام درمان عن تزايد اعداد المواطنين الذين يقصدون الجزارين طلبا للبقايا التي لم يعد يلتفت اليها احد في الاوقات العادية. واظهرت المعطيات ان الغلاء الفاحش وتدهور العملة المحلية جعلا من شراء اللحوم والسلع الاساسية حلما بعيد المنال للكثير من العائلات التي تعيش تحت خط الفقر المدقع.
ازمة المياه والخبز في ظل الانهيار المعيشي
وبينت التقارير ان معاناة السودانيين لا تتوقف عند حدود الغذاء بل تمتد لتشمل ابسط الحقوق مثل مياه الشرب. واضافت ان فتيات صغيرات يقضين ساعات طويلة امام خزانات المياه في مدن مثل الابيض بانتظار دورهن وسط مخاوف من نفاد الكميات المتاحة قبل وصولهن مما يضطرهن للمشي لمسافات طويلة بحثا عن مصادر اخرى.
واكد خبراء في قطاع المخابز ان توفر الخبز في المتاجر لا يعني انتهاء الازمة بل يعكس خللا اقتصاديا هيكليا. واشاروا الى ان تراجع قيمة الجنيه السوداني ادى الى ارتفاع تكاليف الانتاج بشكل جنوني مما جعل المواطن العادي عاجزا عن شراء احتياجاته اليومية حتى لو كانت السلعة متوفرة امام عينيه.
واوضحت بيانات التجار ان حجم المشتريات تقلص بشكل مرعب لدرجة ان الناس باتوا يشترون كميات متناهية الصغر من اللحوم والخضروات. وشدد بائعو الخضار على ان الركود في الاسواق بلغ مستويات غير مسبوقة حيث يقضي التجار ساعات طويلة دون بيع اي شيء يذكر بسبب ضعف القوة الشرائية وتصاعد الاسعار اليومي.
حياة التقشف القسري وفاتورة المرض
وذكرت ربات بيوت ان الرواتب التي كانت تكفي لسد رمق الاسرة طوال الشهر اصبحت الان تنتهي خلال اسبوع واحد فقط. واضافت الامهات انهن اضطررن الى حذف اصناف اساسية من المائدة والاكتفاء بوجبات فقيرة تعتمد على العدس والبطاطس مع الاستغناء التام عن اللحوم والحليب الطازج.
واكد اباء ان حتى حقائب المدارس اصبحت تعكس واقع التقشف اذ يضطر الاطفال لاكل الطعمية يوميا لكونها الخيار الارخص. وبينت الاحصائيات ان نحو تسعة عشر مليونا ونصف المليون سوداني يعانون من انعدام الامن الغذائي الحاد في ظل ظروف اقتصادية بالغة التعقيد.
وكشفت تقارير صحية ان المرض اصبح يمثل عبئا اضافيا لا يقل قسوة عن الجوع بسبب نقص الادوية وارتفاع تكاليف العلاج. واوضحت ان الكثير من الاسر تضطر للمفاضلة بين شراء الدواء للمريض او شراء الطعام للابناء مما يضعهم امام خيارات انسانية صعبة في ظل توقف جزء كبير من المرافق الصحية عن العمل.









