انقسام الشهادة السودانية.. كيف ترسم الحرب حدودا جديدة لمستقبل الطلاب؟
شهدت الساحة السودانية خلال الساعات القليلة الماضية تطورا لافتا يعكس عمق الأزمة التي تعصف بالبلاد، حيث تم الإعلان عن نتيجتين لامتحان الشهادة الثانوية تحت مسميين متطابقين وفي ظل سلطتين متنازعتين. كشفت هذه الخطوة عن حجم الانقسام الذي تجاوز الصراع العسكري ليطال المؤسسات التعليمية ومصير آلاف الطلاب الذين باتوا رهينة لواقع جغرافي وسياسي معقد. أظهرت المعطيات الميدانية أن السلطة الموالية لقوات الدعم السريع في نيالا أعلنت نتائج امتحاناتها للمناطق الخاضعة لسيطرتها في دارفور وكردفان، بينما اعتمدت الحكومة في الخرطوم نتائج امتحاناتها التي أجرتها لطلابها داخل وخارج البلاد.
واوضحت البيانات الرسمية وجود فوارق كبيرة في أعداد الطلاب المتقدمين، حيث بلغ عدد المشاركين في امتحانات الحكومة أكثر من نصف مليون طالب، في حين شارك عدد محدود في امتحانات سلطة تأسيس. واكدت تقارير منظمة اليونيسف أن هذه الأرقام لا تعكس الواقع المأساوي، إذ لا يزال هناك ملايين الأطفال في سن الدراسة خارج أسوار المدارس بسبب النزوح والعمليات القتالية. وشددت المنظمة على ضرورة توحيد الامتحانات لضمان عدم ضياع مستقبل أجيال كاملة نتيجة الانقسام السياسي.
وبينت التحليلات أن خطوط السيطرة العسكرية لا تتطابق بالضرورة مع خريطة توزيع الطلاب، حيث تمكن عشرات الآلاف من التنقل للوصول إلى مراكز امتحانات الحكومة، بينما حاصرت الحرب آخرين ومنعتهم من الوصول لأي من الامتحانين. وكشفت التقديرات أن دارفور وكردفان تعدان من أكثر المناطق تضررا، حيث يعيش ملايين الأطفال في ظروف تحرمهم من أبسط حقوقهم في التعليم الأساسي.
تداعيات الانقسام الوجداني والتعليمي
واشار خبراء تربويون إلى أن الخطر الحقيقي يكمن في ما وصفوه بالانقسام الوجداني بين طلاب البلد الواحد، محذرين من أن تكريس نظامين للشهادة قد يحول الخلاف الجغرافي إلى شرخ تعليمي طويل الأمد. واضاف الخبراء أن حرمان الطلاب من فرصة متساوية يولد شعورا بالغبن، داعين إلى ضرورة تحييد التعليم عن الصراعات العسكرية والتوصل إلى اتفاق أخلاقي يضمن حق الجميع في التقييم الأكاديمي الموحد.
واكدت لجنة المعلمين السودانيين أن الأرقام التي تقدمها الحكومة حول تعافي التعليم تفتقر للدقة، حيث انتقدت التناقض في إحصائيات المدارس العاملة مقارنة بما قبل اندلاع الحرب. وبينت اللجنة أن المعلمين يعانون من أزمة معيشية خانقة، حيث لا تغطي الرواتب سوى نسبة ضئيلة جدا من تكاليف الحياة الأساسية، مما دفع العديد منهم إلى ترك المهنة والبحث عن أعمال هامشية أو التوجه للتنقيب عن الذهب.
واوضحت التقارير أن مأساة المعلمين وصلت إلى حد فقدان الأرواح في مناجم التعدين بحثا عن الرزق، وهو ما يطرح تساؤلات حول استدامة العملية التعليمية في ظل ظروف قاسية. واضاف المتحدث باسم لجنة المعلمين أن المعلمين ينتظرون قرارات ملموسة تحسن أوضاعهم المعيشية، بدلا من الإشادات التي لا تسمن ولا تغني من جوع في ظل تدهور القوة الشرائية للعملة المحلية.
مستقبل غامض للشهادات الدراسية
وكشفت التطورات الأخيرة أن وجود شهادتين يحملان اسم الشهادة السودانية يفتح الباب أمام تحديات قانونية وأكاديمية تتعلق بالاعتراف بهذه الشهادات في الجامعات المحلية والدولية. واكدت الجهات المعنية أن الطلاب لا ينبغي أن يدفعوا ثمن النزاعات المسلحة، مطالبة بضرورة تشكيل لجنة وطنية موحدة بالتنسيق مع المنظمات الدولية لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من المسار التعليمي.
وبينت المتابعات أن استمرار الوضع الحالي يعني ضياع فرص الطلاب في التنافس العادل، مما قد يؤدي إلى ظهور أجيال تعاني من أمية ارتدادية نتيجة الانقطاع الطويل عن الفصول الدراسية. واضاف المراقبون أن الحل يكمن في تغليب مصلحة الوطن على الحسابات السياسية، والعمل على توحيد الامتحانات كخطوة أولى نحو استعادة الدولة لدورها التعليمي.
واوضحت النتائج المعلنة أن السودان يقف اليوم أمام مفترق طرق، فإما استعادة وحدة النظام التعليمي أو الانزلاق نحو تكريس واقع مشتت يخدم أطراف الصراع على حساب مستقبل الطلاب. وشددت كافة الأطراف المهتمة بالتعليم على أن استقرار العام الدراسي يتطلب بيئة آمنة ووضعا اقتصاديا لائقا للمعلمين، وهو ما يظل حلما بعيد المنال في ظل استمرار الحرب.









