منظمة التجارة العالمية تحذر: تراجع التعاون التجاري يهدد الاقتصاد العالمي

منظمة التجارة العالمية تحذر: تراجع التعاون التجاري يهدد الاقتصاد العالمي
الوقائع الإخباري-حذرت منظمة التجارة العالمية من تداعيات متزايدة لتراجع النظام التجاري متعدد الأطراف واتجاه الاقتصادات نحو التكتلات والاتفاقيات المنفصلة، مشيرة إلى أن تفكك النظام القائم على القواعد قد يؤدي، في أحد السيناريوهات، إلى انخفاض الناتج المحلي الإجمالي العالمي بنسبة تصل إلى 6.9%، وتراجع الصادرات العالمية بنحو 26.9%.

جاء ذلك في تقرير التجارة العالمية لعام 2026، الصادر الثلاثاء، والذي وصف المرحلة الحالية بأنها من أخطر الاضطرابات المستدامة التي يواجهها النظام التجاري الدولي منذ تأسيسه قبل نحو 80 عاماً.

ووفق محاكاة أجراها اقتصاديو المنظمة، فإن انقسام التجارة العالمية إلى كتل مرتبطة بالتحالفات الجيوسياسية قد يخفض الناتج العالمي بنسبة 5.1%، والصادرات بنسبة 18.6%.

أما في سيناريو أكثر حدة، يتم فيه استبدال منظمة التجارة العالمية بشبكة من اتفاقيات التجارة الحرة وينتهي فيه النظام متعدد الأطراف، فقد تصل خسائر الناتج العالمي إلى 6.9%، مقابل انخفاض الصادرات بنسبة 26.9%.

وفي المقابل، أظهرت تقديرات المنظمة أن تعزيز التعاون التجاري متعدد الأطراف يمكن أن يرفع الناتج المحلي الإجمالي العالمي بنسبة 2.9%، ويزيد الصادرات بنسبة 17.9%.

وقالت المنظمة إن الفارق بين مسار يقوم على تعزيز التعاون التجاري وآخر يشهد تآكل النظام الحالي يعادل نحو 5% إلى 10% من الناتج الحقيقي العالمي، تبعاً للسيناريو.

الاقتصادات الصغيرة والأقل دخلاً الأكثر تعرضاً

وأشار التقرير إلى أن تداعيات التجزؤ التجاري لن تتوزع بالتساوي بين الاقتصادات، إذ ستكون الدول الصغيرة والأكثر فقراً أكثر عرضة للخسائر الناجمة عن الإجراءات الأحادية والاتفاقيات التمييزية والتوترات الجيوسياسية.

وبحسب التقرير، قد تتجاوز خسائر هذه الاقتصادات ثلاثة أضعاف الخسائر التي تتكبدها الاقتصادات مرتفعة الدخل في سيناريو يتسم بارتفاع الاحتكاكات الجيوسياسية.

وحذرت المنظمة من أن تفكك النظام التجاري متعدد الأطراف سيعقّد معالجة عدد من التحديات العابرة للحدود، بما فيها قضايا البيئة والحوكمة الرقمية ومرونة سلاسل الإمداد والتداعيات الاقتصادية العالمية.

ورغم الضغوط التي يواجهها النظام التجاري، لا تزال منظمة التجارة العالمية تشكل الإطار القانوني الرئيسي للتجارة الدولية، إذ تضم 166 عضواً يمثلون نحو 98% من التجارة العالمية، فيما تتفاوض 22 دولة واقتصاداً إضافياً على الانضمام إليها.

وتتم قرابة 72% من تجارة السلع العالمية وفق شروط التعرفة القائمة على مبدأ الدولة الأولى بالرعاية، التي تفاوض أعضاء المنظمة عليها والتزموا بها.

ولفت التقرير إلى أن النظام التجاري متعدد الأطراف أسهم منذ نشأته في خفض الحواجز أمام التجارة، ودعم توسع التجارة العالمية بنحو 50 ضعفاً.

تحولات اقتصادية تعيد تشكيل النظام التجاري

وأوضحت المنظمة أن جانباً من الضغوط الحالية يرتبط بالتحولات التي شهدها الاقتصاد العالمي نتيجة نجاح النظام التجاري نفسه في تعزيز الانفتاح والترابط بين الأسواق.

ومنذ إنشاء منظمة التجارة العالمية عام 1995، تضاعفت تقريباً حصة الاقتصادات منخفضة ومتوسطة الدخل من تجارة السلع العالمية، لتصل حالياً إلى 45%.

وأدى اتساع مشاركة هذه الاقتصادات إلى تغير توزيع القوة الاقتصادية عالمياً، لكنه في الوقت ذاته كشف عن فجوة بين واقع التجارة والأسواق في الوقت الراهن وبعض الالتزامات والقواعد التي تعود إلى جولة أوروغواي التجارية بين عامي 1986 و1994، والتي مهدت لإنشاء المنظمة.

وأشار التقرير إلى أن تلك القواعد وُضعت قبل انتشار الإنترنت على نطاق واسع، وقبل التوسع الكبير في سلاسل القيمة العالمية والتحولات التي طرأت على توزيع القوة الاقتصادية بين الدول.

وقالت المنظمة إن أعضاءها يتفقون على ضرورة إصلاح النظام التجاري، إلا أنهم لم يتوصلوا حتى الآن إلى اتفاق شامل لتحديث القواعد المتعلقة بملفات من بينها الزراعة والخدمات والتنمية والشفافية والدعم والأمن الوطني.

أربعة عوامل تضغط على التجارة العالمية

حدد التقرير أربعة تحولات رئيسية تسهم في إعادة تشكيل النظام التجاري متعدد الأطراف، تتمثل في تغير توزيع القوة الاقتصادية، وتزايد التدخل الحكومي واختلاف النماذج الاقتصادية، وتغير طبيعة التجارة، وتصاعد التوترات الجيوسياسية.

وأشار إلى تنامي استخدام السياسات الصناعية وأشكال الدعم والتدخل الحكومي في عدد أكبر من الاقتصادات، ما أثار مخاوف بشأن المنافسة وتأثير الدعم في الأسواق العالمية، في وقت لا تزال فيه محدودية الشفافية من أبرز التحديات.

وبين عامي 2015 و2024، قدم 59% فقط من أعضاء منظمة التجارة العالمية الإخطارات المطلوبة بشأن الدعم إلى لجنة الدعم والإجراءات التعويضية، فيما وصلت 77% من الإخطارات المقدمة متأخرة، وتجاوز متوسط التأخير عاماً واحداً.

مكاسب تجارية متفاوتة بين الدول

وأقر التقرير بأن المكاسب التي حققها النظام التجاري العالمي لم تتوزع بالتساوي، مشيراً إلى أن أقل البلدان نمواً لا تزال تستحوذ على أقل من 1% من التجارة العالمية، بينما تزيد تكاليف التجارة في قطاعي التصنيع والخدمات لديها بنسبة 50% مقارنة بالاقتصادات مرتفعة الدخل.

كما أشار إلى أن آثار تحرير التجارة لم تكن متساوية داخل الاقتصادات المتقدمة نفسها، إذ واجه بعض العمال والمجتمعات ضغوطاً طويلة الأمد نتيجة المنافسة من الواردات والتغير التكنولوجي والتفاوتات الإقليمية.

وفي المقابل، أظهرت تقديرات أوردها التقرير أن عضوية منظمة التجارة العالمية رفعت حجم التجارة بين أعضائها بنحو 140%.

كما بينت دراسة تناولها التقرير أن الاقتصادات التي قدمت التزامات أعمق ونفذت إصلاحات داخلية خلال مراحل الانضمام إلى المنظمة حققت نمواً أعلى بمتوسط 1.5 نقطة مئوية مقارنة باقتصادات لم تمر بالعملية ذاتها.

وأشارت الأدلة الواردة في التقرير إلى أن نحو 85% من أعضاء المنظمة شهدوا انخفاضاً في أسعار المستهلك النسبية نتيجة التأثير المرتبط بعضويتهم في منظمة التجارة العالمية.

تعثر في تسوية المنازعات مع استمرار الحلول التوافقية

ويشكل نظام تسوية المنازعات أحد أبرز الملفات في أزمة المنظمة، إذ لم يتمكن الأعضاء منذ منتصف عام 2017 من الاتفاق على تعيين أعضاء جدد في هيئة الاستئناف، قبل أن تفقد الهيئة في كانون الأول 2019 النصاب اللازم لمواصلة عملها.

ومع ذلك، أكدت المنظمة أن آلية تسوية المنازعات لم تتوقف بالكامل، مشيرة إلى أن الأطراف تمكنت منذ كانون الأول 2019 من حل نحو نصف النزاعات من دون اللجوء إلى الاستئناف الذي يحول دون اعتماد تقارير اللجان.

كما ارتفع معدل التسويات التي تتوصل إليها الأطراف بصورة متبادلة إلى نحو ثلاثة أمثال مستواه خلال العقد السابق.

وأكد التقرير أن الحفاظ على النظام التجاري متعدد الأطراف لا يعني الإبقاء عليه بالشكل الحالي، موضحاً أن التحدي يتمثل في تحديث التعاون القائم على القواعد بما ينسجم مع التحولات التي شهدها الاقتصاد العالمي، بدلاً من الانتقال إلى نظام أقل قدرة على التنبؤ وأكثر اعتماداً على القوة والإجراءات الأحادية.

وشددت المنظمة على أن مستقبل النظام التجاري الدولي يرتبط بقدرة أعضائها على إصلاح الجوانب المتعثرة، وتحديث القواعد التي لم تعد تواكب الواقع، والحفاظ على الآليات الفاعلة، وتكييف التعاون التجاري مع التحولات الجديدة في الاقتصاد العالمي.

 
جميع الحقوق محفوظة للوقائع الإخبارية © 2026
لا مانع من الاقتباس وإعادة النشر شريطة ذكر المصدر ( الوقائع الإخبارية )
تصميم و تطوير VERTEX web solutions