تدهور القدرة الشرائية في السودان: رحلة الجنيه في مهب تقلبات العملة الصعبة

تدهور القدرة الشرائية في السودان: رحلة الجنيه في مهب تقلبات العملة الصعبة

تشهد الاسواق السودانية حالة من الارتباك غير المسبوق في ظل قفزات متتالية لسعر صرف الدولار الذي تجاوز حاجز 8 الاف جنيه في السوق الموازية. واصبحت وتيرة تغير الاسعار اسرع من قدرة المواطنين والتجار على الملاحقة مما تسبب في اتساع الفجوة بين الدخول الشهرية والاحتياجات المعيشية الاساسية. وكشفت التقارير الميدانية ان هذا الصعود الحاد للعملة الاجنبية لم يعد يقتصر اثره على السلع المستوردة فحسب بل امتد ليشمل كافة المنتجات المحلية نتيجة ارتفاع تكاليف الوقود والنقل واضطراب سلاسل الامداد التي تعاني اصلا من تداعيات الحرب المستمرة.

واضاف تجار في سوق ام درمان ان جزءا من هذه الزيادات يعود الى حالة من الهلع والارتباك في اوساط المتعاملين وليس فقط بسبب ندرة النقد الاجنبي. وبين التاجر عبد الرحمن مختار ان كلفة الوقود سجلت قفزات قياسية خلال الايام الماضية حيث ارتفع سعر غالون البنزين بنسب تتجاوز 25 بالمئة في عدد من الولايات. واكد مختار ان هذا الارتفاع في مدخلات الطاقة انعكس بشكل فوري على اسعار السلع الغذائية حيث قفز سعر كيلو السكر الى عشرة الاف جنيه وسط مخاوف من استمرار وتيرة التصاعد.

واوضح مراقبون ان الاوضاع في دارفور وكردفان تزداد تعقيدا مع تراجع الامدادات وصعوبة حركة التجارة بين الاقاليم. واظهرت ارقام ميدانية ان اسعار الحبوب مثل الدخن والذرة سجلت ارقاما فلكية في الاسواق المحلية مما يضع الاسر في مواجهة مباشرة مع خطر انعدام الامن الغذائي. وشدد المواطنون على ان المشكلة الحقيقية لم تعد في توفر السلع فحسب بل في تآكل القوة الشرائية التي جعلت الرواتب عاجزة تماما عن تغطية ابسط المتطلبات اليومية.

اجراءات حكومية لضبط الاستيراد

ولجأت الحكومة السودانية الى حزمة من القرارات في محاولة لتخفيف الضغط على موارد النقد الاجنبي. وكشفت وزارة الصناعة والتجارة عن تفعيل قرارات بحظر استيراد سلع وصفتها بالكمالية وغير الضرورية بهدف ترشيد استخدام الدولار. واكدت الجهات الرسمية ان هذه الخطوة تهدف الى توجيه الموارد المتاحة نحو السلع الاساسية والادوية والمحروقات لضمان استقرار الاسواق.

واضافت غرفة المستوردين ان هذه القرارات اثارت جدلا واسعا في اوساط الاعمال. وبينت الغرفة ان حظر بعض السلع قد يؤدي بنتائج عكسية تزيد من تراجع قيمة الجنيه بدلا من دعمه. واكد خبراء اقتصاديون ان هذه المعضلة تعكس التحديات الجسيمة التي تواجه السياسة التجارية في ظل ضعف الانتاج المحلي والاعتماد الكلي على الاستيراد لتلبية احتياجات السوق.

واشار الخبير الاقتصادي محمد الناير الى ان اضطراب سعر الصرف هو نتاج لمجموعة من العوامل المتداخلة. واوضح ان تراجع الصادرات ومصادر النقد الاجنبي التقليدية مثل الذهب والصمغ العربي قد فاقم من ازمة العملة. واكد ان الاجراءات الفنية وحدها لا تكفي ما لم يتم معالجة الاختلالات المالية والنقدية العميقة التي افرزتها ظروف الحرب الراهنة.

تحديات البنك المركزي والبحث عن استقرار

واكد بنك السودان المركزي انه يواصل جهوده لتوفير النقد الاجنبي عبر الجهاز المصرفي للقطاعات الحيوية. وبين البنك في بيان له انه يسعى لضبط حركة الصادرات وتحفيز توريد حصائل الذهب عبر القنوات الرسمية. واضاف ان العمل مستمر لمراقبة السوق وضمان انسياب السلع الاساسية رغم الضغوط الكبيرة التي تواجه الموارد المتاحة.

واوضح الناير ان الحلول المستدامة تتطلب اجراءات عاجلة تتجاوز المعالجات التقليدية. واكد على ضرورة ادخال تجارة الذهب بالكامل في الاقتصاد الرسمي وانشاء بورصة متخصصة للذهب للحد من عمليات التهريب. واضاف ان استقرار الجنيه السوداني يظل مرهونا باستعادة النشاط الانتاجي وتأمين طرق التجارة الداخلية.

واكد المحللون في ختام قراءتهم للمشهد ان الاقتصاد السوداني يمر بمرحلة مفصلية تتطلب تكاتف الجهود بين القطاعين العام والخاص. وبينوا ان ضبط سوق الصرف لا يمكن ان يتحقق دون رؤية شاملة تعيد الحياة للصناعة المحلية وتقلل من فاتورة الاستيراد الباهظة. واضافوا ان حماية القوة الشرائية للمواطن يجب ان تكون على رأس الاولويات في اي سياسات اقتصادية قادمة لتجاوز هذه الازمة الخانقة.

 
جميع الحقوق محفوظة للوقائع الإخبارية © 2026
لا مانع من الاقتباس وإعادة النشر شريطة ذكر المصدر ( الوقائع الإخبارية )
تصميم و تطوير VERTEX web solutions