ازمة المياه في تونس تتجاوز الحنفيات لتثقل كاهل الاسرة التونسية
تتجاوز ازمة المياه في تونس حدود الانقطاعات المتكررة في المنازل او النقص في رفوف المتاجر لتتحول الى تحد اقتصادي ومعيشي مركب يلقي بظلاله الثقيلة على ميزانية المواطن واستقرار القطاعات الحيوية في البلاد. ان المشهد الحالي لا يعكس مجرد نقص في الموارد المائية المتاحة بل يكشف عن خلل بنيوي عميق في منظومة التوزيع والادارة يتطلب وقفة جادة لمعالجة الفجوة المتسعة بين العرض والطلب. وتكشف المعطيات الاخيرة عن ارتفاع لافت في الاقبال على المياه المعباة بنسبة تصل الى ثلاثين بالمئة خلال ذروة الصيف وهو توجه يعزوه الخبراء ليس فقط الى العوامل المناخية بل الى تراجع منسوب ثقة المستهلك في جودة مياه الشبكة العامة.
تحديات البنية التحتية وندرة الموارد
وبين مدير المرصد التونسي للمياه علاء المرزوقي ان نصيب الفرد في تونس انخفض الى مستويات مقلقة تتراوح بين ثلاثمئة وثمانين واربعمئة وثلاثين مترا مكعبا سنويا وهو ما يضع البلاد تحت خط الفقر المائي العالمي. واضاف المرزوقي ان التوقعات المستقبلية تشير الى منحنى تنازلي حاد قد يصل بنصيب الفرد الى مئة وثمانين مترا مكعبا بحلول منتصف القرن الحالي مما يستدعي استراتيجية وطنية عاجلة. واكد ان الازمة لا تقتصر على ندرة الامطار بل تتفاقم بسبب الاستنزاف المفرط للمياه الجوفية حيث تجاوزت عمليات الضخ حجم الموارد المتجددة مع انتشار لافت للابار العشوائية وغير المرخصة التي بلغت عشرات الالاف في العقد الاخير.
واوضح ان شبكات توزيع المياه تعاني من نسب فاقد مرتفعة تصل الى واحد واربعين بالمئة لدى الشركة الوطنية لاستغلال وتوزيع المياه اضافة الى ضياع كميات ضخمة في قطاع الري والشرب. وشدد على ان هذه الارقام الصادمة تضع البلاد امام مفارقة مؤلمة حيث يفقد الاقتصاد جزءا حيويا من موارده قبل ان تصل الى المستهلك النهائي او المزارع مما يفاقم من حدة الازمة المائية التي تعيشها البلاد.
انعكاسات شح المياه على الاقتصاد والامن الغذائي
واشار الباحث الاقتصادي ارام بالحاج الى ان تداعيات نقص المياه تمتد لتضرب الاقتصاد من خلال ثلاث قنوات رئيسية تتمثل في ارتفاع اسعار الغذاء وتراجع الانتاجية وتدني دخل الاسر. واضاف ان الفلاحة السقوية والزراعات الكبرى تعد من اكثر القطاعات هشاشة امام هذا الشح مما يؤدي مباشرة الى زيادة تكاليف الانتاج التي يتحملها المواطن في نهاية المطاف. وبين بالحاج ان الازمة لا تكتفي بقطاع الزراعة بل تمتد لتشمل الصناعات الغذائية والسياحة والنسيج وحتى قطاع الفوسفات الذي يعد ركيزة للاقتصاد الوطني.
واكدت دراسات دولية ان استمرار المسار الحالي قد يؤدي الى انكماش الاقتصاد التونسي بنسب متصاعدة تصل الى اكثر من ستة بالمئة بحلول عام الفين وخمسين مع تراجع ملحوظ في القيمة المضافة للقطاع الزراعي. واظهرت التحليلات ان ربع الطلب على المياه قد يبقى دون تلبية اذا لم يتم اتخاذ اجراءات جذرية ومستدامة في ادارة الموارد المائية وتحديث شبكات التوزيع المتهالكة.
تحول المياه المعباة من خيار الى ضرورة
وكشفت الارقام المسجلة في الاشهر الاخيرة عن اضطرابات واسعة في توزيع المياه مما دفع العائلات التونسية الى الاعتماد الكلي على المياه المعباة. واضاف ان هذا التحول في سلوك الاستهلاك يعكس فشل الخدمة العامة في توفير الحد الادنى من الاحتياجات اليومية بانتظام مما يحمل المواطن اعباء مالية اضافية وغير متوقعة. واوضح ان الحل لا يكمن في زيادة انتاج القوارير بل في معالجة جوهر الازمة عبر ترشيد استهلاك المياه الجوفية وتقليص الهدر في الشبكات الوطنية.
وختم المراقبون بان كل يوم يمر دون اصلاحات هيكلية في قطاع المياه يرفع من فاتورة الخسائر على المدى البعيد. واكدوا ان حماية الامن المائي هي السبيل الوحيد لضمان استقرار الاسعار وحماية دخل المزارعين وضمان استدامة القطاعات المنتجة التي تعتمد كليا على توفر هذه المادة الحيوية.









