بياض الطحين وسواد الرئة.. "الربو المهني" ينهش صدور عمال المخابز في الظل

بياض الطحين وسواد الرئة.. "الربو المهني" ينهش صدور عمال المخابز في الظل

- د. الطراونة: «الكمامات العادية لا تحمي.. وتكرار استنشاق المحسنات يقود لانسداد وتليف رئوي دائم»

- وزارة العمل ترصد 187 إجراءً رقابياً بين إنذار ومخالفة في 9 أشهر.. وجدول قانون العمل يستثني الربو المهني لغير المشمولين بالضمان

- خبير سلامة مهنية: بيئات العمل مغلقة والمخابز القديمة تعمل بلا شفاطات وتفتقر لأبسط معايير الحماية

عمان - هبة الزعبي - مع كل فجر، تتكرر الطقوس ذاتها داخل مئات المخابز والمطاحن في الأردن: تُفتح أكياس الدقيق، تتطاير ذرات البياض لتغطي الوجوه والجدران، وتشتعل حرارة الأفران لإنتاج قوت الناس اليومي. لكن وراء هذا المشهد المألوف، تدور فصول مأساة صحية صامتة قد يدفع ثمنها عمال من قدرتهم على التنفس.

إنه المرض المعروف تاريخياً بـ«ربو الخبازين» (Baker's Asthma)، والمصنف طبيًا ضمن «الربو المهني»؛ وهو اضطراب تنفسي قد ينجم عن التعرض المتكرر لغبار الطحين وبعض الإضافات والإنزيمات المستخدمة في بيئة العمل. وفي ظل قصور الإجراءات الوقائية الهندسية في بعض المنشآت، واستخدام وسائل حماية تنفسية غير ملائمة، وتدني وعي بعض العمال بحقوقهم، قد يتحول المرض تدريجياً من أعراض تنفسية متكررة إلى تدهور دائم في وظيفة الرئة في بعض الحالات، بما قد يؤثر في قدرة العامل على الاستمرار في مهنته.

تشريح المرض: رحلة الذرات الدقيقة من «الشوال» إلى القصبات

تاريخياً، ارتبط اسم «ربو الخبازين» ببيئة صناعة المعجنات، إلا أن الطب الحديث يدرجه تحت مظلة أوسع وأدق هي «الربو المهني». ويشرح استشاري الأمراض الصدرية والحساسية، الدكتور محمد حسن الطراونة، أبعاد هذه الإصابة:

«المصطلح الأوسع والأدق هو الربو المهني، ويشمل المهن التي يتعرض أصحابها لمواد محفزة؛ كالخباز، والطحان، والحداد، والنجار، والعاملين في المصانع والمزارعين. في المخابز والمطاحن، يتعرض العامل لغبار عضوي ناتج عن تفريغ ونقل ونخل وخلط الدقيق، بالإضافة إلى المحسنات والإنزيمات الحيوية المضافة، وأبرزها إنزيم الألفا-أميليز. وقد تحفز هذه المواد استجابة تحسسية أو التهابية في الشعب الهوائية لدى بعض العمال، ومع تكرار التعرض قد تظهر أعراض مثل السعال والصفير وضيق التنفس».

ويضع الدكتور الطراونة علامة تشخيصية مهمة تكشف المرض في مراحله الأولى:

«الفارق الجوهري الذي يميز الربو المهني هو ارتباطه الزمني ببيئة العمل؛ فالعامل قد يشكو من السعال وضيق الصدر والأعراض التنفسية خلال أيام العمل داخل المخبز، لكنه يشعر بتحسن عند ابتعاده عن مصدر التعرض، مثل عطلة نهاية الأسبوع أو فترات الإجازة. ولذلك فإن ملاحظة ارتباط الأعراض بوقت ومكان العمل مهمة جدًا في التشخيص».

ويحذر الطراونة من أن تجاهل الأعراض المبكرة، كالسعال الصباحي والليلي وأزيز الصدر، قد يقود إلى مضاعفات تنفسية خطيرة، وقد يؤدي استمرار التعرض لدى بعض الحالات إلى تدهور دائم في وظيفة الرئة:

«المعضلة الكبرى أن العامل لا يراجع الطبيب إلا في مراحل متأخرة، ظناً منه أن ما يصيبه مجرد رشح أو حساسية عادية، وحينها قد نضطر أحياناً إلى نصحه بالابتعاد عن مصدر التعرض أو تغيير المهنة إذا لم يعد بالإمكان السيطرة على الحالة رغم العلاج والوقاية».

هرم السلامة المقلوب: «التحكم الهندسي» أولاً والكمامة ليست الحل السحري

في أدبيات الصحة والسلامة المهنية، تحتل «معدات الوقاية الشخصية» مرحلة لاحقة ضمن هرم السيطرة على المخاطر، بينما تبدأ الوقاية بإزالة الخطر أو تقليله والسيطرة عليه من مصدره، ومن بينها الضوابط الهندسية. لكن الواقع في بعض بيئات العمل قد يعكس هذه الأولويات، بالاعتماد على الكمامة وحدها بدل معالجة مصدر الغبار.

يؤكد خبير السلامة والصحة المهنية، مراد كتكت، أن العمل في المخابز ينطوي على حزمة من المخاطر المهنية:

«العمل في المخابز ليس مجرد عمل شاق، بل ينطوي على حزمة مخاطر متزامنة؛ الحرارة، والآلات، والرفع الثقيل، والغبار العضوي المتطاير. وللأسف، نتعامل في كثير من الأحيان برد الفعل بعد وقوع الإصابة، بينما الأصل هو الوقاية الاستباقية».

ويشير كتكت إلى أن بعض المخابز الصغيرة والقديمة نسبيًا قد تواجه تحديات في توفير التهوية وأنظمة الشفط:

«بعض المخابز تعمل في مساحات ضيقة دون توفير أنظمة تهوية كافية أو أجهزة شفط ميكانيكية (Local Exhaust Ventilation) عند نقاط تصاعد الغبار، مثل العجانات ومناطق تفريغ الشوالات. وعندما تكون كلفة أنظمة الشفط ومعدات التهوية مرتفعة على بعض أصحاب العمل، يبرز دور الدولة في تقديم حوافز تشجيعية، مثل التسهيلات الضريبية أو الإعفاءات لتركيب منظومات السلامة، مقابل فرض رقابة صارمة تلزمهم بتشغيلها وصيانتها».

أما في ملف معدات الوقاية الشخصية، فتبرز مشكلة الاعتماد على وسائل حماية لا تتناسب بالضرورة مع طبيعة التعرض. فبعض العمال قد يستخدمون كمامات قماشية أو جراحية عادية، وهي ليست بالضرورة مصممة لتوفير الحماية المطلوبة من التعرض المهني للأغبرة الدقيقة. ويؤكد مبدأ السلامة المهنية أن اختيار وسيلة الحماية التنفسية يجب أن يستند إلى تقييم المخاطر وطبيعة الملوث وتركيزه ومستوى الحماية المطلوب، وليس إلى استخدام أي كمامة بصورة عامة.

ويشدد كتكت على أن حماية العامل تتطلب توفير وسائل حماية تنفسية مناسبة لطبيعة الخطر، إلى جانب إخضاع العامل لبرامج تدريبية وتوعوية حول السلوكيات الصحيحة في تداول الطحين والعجين بما يحد من تطايره في الهواء.

التفتيش الميداني بالأرقام: 187 إجراءً رقابياً وثغرة في جداول التعويض

تكتسب هذه التحذيرات الفنية والطبية وزنها القانوني من واقع الأرقام الميدانية الرسمية لوزارة العمل.

يكشف الناطق الإعلامي باسم وزارة العمل، محمد الزيود، عن نتائج الجولات التفتيشية المنفذة في القطاع منذ مطلع عام 2026 وحتى 30 أيلول/سبتمبر 2026، والتي شملت زيارة 710 منشآت تركزت في محورين رئيسيين:

- قطاع المخابز (ضمن الصناعات التحويلية): نفذت الفرق زيارات تفتيشية لـ575 مخبزاً، أسفرت عن تحرير 124 إنذاراً للسلامة والصحة المهنية، إلى جانب تسجيل 24 مخالفة في المجال نفسه.

- قطاع المطاحن (صناعة منتجات طواحين الحبوب): شملت الجولات 135 منشأة ومطحنة، وأسفرت الرقابة عن توجيه 39 إنذاراً للسلامة والصحة المهنية.

وبذلك بلغ مجموع المخالفات والإنذارات التي أوردتها وزارة العمل في القطاعين 187 إجراءً، مقابل 710 منشآت شملتها الزيارات التفتيشية.

ويوضح الزيود أن الجولات تستند إلى حزمة تشريعات السلامة المهنية المحدثة لعام 2023؛ وتحديداً المادة (6/ب) من نظام تشكيل لجان السلامة والصحة المهنية وتعيين المشرفين في المؤسسات رقم (33) لسنة 2023، التي تتصل بقياس ملوثات بيئة العمل والسيطرة عليها وحماية العاملين من تأثيرها، والمادة (15) من تعليمات تحديد أنواع مصادر الأخطار المهنية في بيئة العمل والاحتياطات والتدابير اللازمة للوقاية منها لسنة 2023، والتي تتضمن تدابير للحد من التعرض للأغبرة، وتوفير التهوية والتخلص من الأغبرة والمواد الضارة من مصادر تولدها باستخدام أجهزة شافطة أو نظام تهوية صناعية، إلى جانب توفير معدات الوقاية الشخصية. وتعرض وزارة العمل هذه التشريعات ضمن منظومة السلامة والصحة المهنية المعمول بها.

ويؤكد الزيود أن مظلة الحماية الوقائية لا تفرق بين عامل أردني وآخر وافد؛ إذ تنص تعليمات تقييم المخاطر المهنية في بيئة العمل لسنة 2023 على ضرورة تحديد جميع المعرضين للمخاطر عند تقييم بيئة العمل، بما يشمل العمال غير الأردنيين، واتخاذ إجراءات الوقاية المناسبة.

تقاطع المسؤولية: دور المؤسسة العامة للغذاء والدواء

لا تنفصل سلامة بيئة الإنتاج الغذائي عن سلامة العاملين فيها؛ إذ تتضمن الاشتراطات الصحية الخاصة بالمنشآت الغذائية متطلبات تتصل بتهيئة بيئة إنتاج مناسبة، بما في ذلك التهوية والنظافة ومنع تراكم الملوثات داخل مناطق التصنيع والتداول. وتتقاطع هذه المتطلبات، في بعض جوانبها، مع إجراءات السلامة والصحة المهنية التي تقع ضمن اختصاص وزارة العمل.

وفي المخابز والمطاحن، تكتسب إجراءات الحد من انتشار الغبار أهمية مزدوجة؛ فهي تسهم في الحفاظ على بيئة إنتاج صحية، وتحد في الوقت نفسه من تراكم الغبار داخل أماكن العمل. كما تشمل الرقابة الصحية على المنشآت التحقق من الالتزام بالاشتراطات الصحية المعتمدة، بينما تبقى مسؤولية تقييم مخاطر التعرض المهني للأغبرة، وفرض وسائل السيطرة عليها وحماية العاملين منها، ضمن اختصاص منظومة السلامة والصحة المهنية.

وبذلك، يتقاطع دور المؤسسة العامة للغذاء والدواء مع دور وزارة العمل عند نقطة أساسية: ضمان أن تتم عملية إنتاج الغذاء داخل بيئة صحية وآمنة، كل جهة ضمن اختصاصها، بما يحمي سلامة الغذاء وصحة العاملين في آن واحد.

الفجوة التشريعية في الاعتراف بالمرض

ورغم هذا الإطار الوقائي والتفتيشي، يظهر في الشق التعويضي تفاوت بين مظلة قانون العمل ومظلة الضمان الاجتماعي، وهو تفاوت مهم في تحديد حقوق العامل المصاب.

العمال الذين لا تسري عليهم أحكام قانون الضمان الاجتماعي وتطبق عليهم أحكام الفصل العاشر من قانون العمل: يؤكد الناطق باسم وزارة العمل أن «جدول الأمراض المهنية رقم (1) الملحق بقانون العمل لا يدرج ربو الخبازين أو الربو المهني بالاسم ضمن الأمراض المهنية المعترف بها لغايات هذا الجدول». ولا يعني ذلك أن جميع الأمراض التنفسية المرتبطة بالعمل غير مدرجة في الجدول؛ إذ يتضمن الجدول أمراضاً رئوية أخرى مرتبطة بمخاطر مهنية محددة.

العمال المشمولون بالضمان الاجتماعي: يختلف الوضع بالنسبة للمؤمن عليهم المشمولين بأحكام الضمان الاجتماعي؛ إذ يرد «الربو المهني» ضمن جدول الأمراض المهنية الملحق بقانون الضمان الاجتماعي. ويخضع إثبات المرض وعلاقته بالعمل للإجراءات الطبية والتأمينية المعتمدة لدى المؤسسة العامة للضمان الاجتماعي.

وبذلك، فإن الفجوة لا تتمثل في غياب الاعتراف بالربو المهني في التشريع الأردني بصورة مطلقة، وإنما في اختلاف نطاق الاعتراف به بين جدول الأمراض المهنية الملحق بقانون العمل وجدول الأمراض المهنية المطبق في إطار الضمان الاجتماعي.

جهل العمال ومسؤولية المنشآت: حماية الرئة حق وليس منّة

يكشف رصد بيئة العمل في المخابز عن تدني معرفة بعض العاملين بطبيعة ما يستنشقونه؛ إذ قد يتعامل العامل مع السعال المتكرر والبلغم وضيق التنفس باعتبارها «ضريبة طبيعية للمهنة» أو أعراض برد عابرة، جاهلاً أن استمرار هذه الأعراض وارتباطها ببيئة العمل يستدعي تقييماً طبياً ومهنياً.

إن تعرض عمال العجين وتفريغ الدقيق لساعات طويلة أمام سحب الغبار دون توفير تهوية مناسبة أو أنظمة شفط موضعي عند مصادر تولده، ودون تزويدهم بمعدات الوقاية المناسبة وفق تقييم المخاطر، قد يشكل مخالفة لمتطلبات السلامة والصحة المهنية، التي تلزم صاحب العمل بتحديد الأخطار المهنية واتخاذ الاحتياطات والتدابير اللازمة لحماية العاملين. وتحدد تعليمات 2023 صراحةً تدابير للحد من التعرض للأغبرة، وتوفير التهوية والتخلص من الأغبرة والمواد الضارة من مصادر تولدها، إلى جانب معدات الوقاية الشخصية.

التوصيات وخريطة الحل: كيف نوقف نزيف صدور العمال؟

لردم الفجوة بين النصوص القانونية والواقع الميداني، يخلص التحقيق إلى التوصيات التالية:

1 - إغلاق الثغرة التشريعية وتعديل الملاحق:

دراسة تحديث الجدول رقم (1) الملحق بقانون العمل الأردني، بما يضمن إدراج «الربو المهني وأمراض الجهاز التنفسي المرتبطة بالتعرض المهني للأغبرة العضوية وإنزيمات الدقيق» بصورة واضحة، بما يعزز وضوح الحق في الحماية والتعويض للعاملين الذين لا تسري عليهم أحكام الضمان الاجتماعي، متى ثبتت العلاقة المهنية وفق الأصول القانونية والطبية.

2 - إلزامية الفحص الطبي الوظيفي المسبق والدوري:

تفعيل وتطبيق منظومة الفحص الطبي الأولي والدوري للعمال وفق التشريعات والتعليمات النافذة، ووضع بروتوكول طبي واضح للمهن التي تتضمن تعرضاً مستمراً للأغبرة، بما يشمل تقييم وظائف الرئة عند الحاجة الطبية، وتحديد دورية الفحوص وفق طبيعة التعرض ودرجة الخطورة، بدلاً من اعتماد فترة زمنية موحدة لجميع المنشآت والعاملين. وتظهر لدى وزارة العمل حالياً تعليمات مستقلة للفحص الطبي الأولي والفحص الطبي الدوري للعمال في المؤسسات لسنة 2025.

3 - التشدد في الرقابة الهندسية والانتقال من الإنذار إلى الإغلاق:

عدم الاكتفاء بالإنذارات للمنشآت غير الملتزمة، ومتابعة تصويب المخالفات ضمن المدد القانونية، وفرض معالجة مصادر الغبار وتوفير التهوية وأنظمة الشفط المناسبة في أماكن تولده، وفق تقييم المخاطر وطبيعة المنشأة. وعند عدم إزالة المخالفة وفق الأصول، يتيح قانون العمل اتخاذ إجراءات أشد وفق أحكامه، بما في ذلك إغلاق المنشأة وفق الحالات والإجراءات المنصوص عليها قانوناً.

4 - منع الأقنعة غير المجدية وتوفير معايير الحماية:

عدم الاكتفاء بالكمامات القماشية أو الجراحية عندما لا تحقق مستوى الحماية المطلوب من التعرض المهني، وإلزام أصحاب العمل بتوفير وسيلة حماية تنفسية مناسبة ومعتمدة وفق تقييم المخاطر وطبيعة التعرض، مع تدريب العمال على استخدامها وصيانتها واستبدالها وفق متطلبات السلامة.

5 - حوافز اقتصادية لتحديث المخابز الصغيرة:

إطلاق برنامج تمويلي أو إعفاءات جمركية وضريبية مخصصة لأصحاب المخابز الحرفية والصغيرة لتمكينهم من تمويل وتركيب شبكات الشفط والتهوية الصناعية، لقطع الذرائع المالية المتعلقة بكلفة التجهيز، بالتوازي مع استمرار الرقابة على الالتزام بمتطلبات السلامة والصحة المهنية.

6 - برنامج توعية وطني بالتعاون مع النقابات:

تنظيم حملات توعية ميدانية مشتركة بين مديريات التفتيش، ونقابة أصحاب المخابز، والجهات والنقابات العمالية والمهنية المعنية، لتثقيف العمال بأساليب التداول الآمن للطحين، وتعريفهم بأعراض الربو المهني وضرورة مراجعة الطبيب عند ارتباط الأعراض ببيئة العمل، وتوعيتهم بحقوقهم في الحماية والفحص والعلاج والتعويض متى توافرت شروطه القانونية والطبية.

 
جميع الحقوق محفوظة للوقائع الإخبارية © 2026
لا مانع من الاقتباس وإعادة النشر شريطة ذكر المصدر ( الوقائع الإخبارية )
تصميم و تطوير VERTEX web solutions