صنع في أيلة

صنع في أيلة
هناك مشاريع تبنى بالحجر والإسمنت، وهناك مشاريع تبنى بفكرة أكبر: أن تصنع مكانا يريد الناس العودة إليه.
وأيلة، في العقبة، تبدو واحدة من التجارب التي تستحق أن تقرأ من هذه الزاوية.
 

فالقصة ليست في المباني والفنادق والمطاعم والمرافق الترفيهية وحدها، ولا في البحيرات والممرات والمساحات الخضراء. القصة في منظومة متكاملة أعادت تعريف معنى الضيافة في العقبة، وربطت الاستثمار بالسياحة والترفيه والخدمات والطبيعة، وحولت المكان من مشروع إلى تجربة حياة ووجود قابلة للتكرار.
وهنا تحديدا تكمن قيمة تجربة أيلة.
فالسائح قد يزور المكان مرة بدافع الفضول، لكن العودة تحتاج إلى شيء آخر: الثقة.
أن تثق الأسرة بأن العقبة ستمنحها تجربة تستحق الوقت والإنفاق، وأن يجد الزائر في كل مرة شيئا جديدا، وأن يصبح المكان جزءا من ذاكرته، لا مجرد محطة عابرة.
ولعل من أهم مؤشرات نجاح العقبة اليوم أن الأردني نفسه أصبح من أهم زوارها المتكررين، وهذه ليست مسألة سياحية فقط؛ إنها مسألة اقتصادية أيضا، فالسياحة الداخلية تعني حركة مستمرة للفنادق والمطاعم والمقاهي والنقل والترفيه والتجارة، وتعني أن المدينة نجحت في بناء علاقة مع زائرها قبل أن تطلب منه أن يقنع السائح القادم من الخارج بها.
وفي قلب هذه المعادلة، جاءت أيلة لتضيف نموذجا مختلفا. نموذج لا يتعامل مع البحر باعتباره مشهدا خلف الفندق فقط، بل كجزء من تجربة متكاملة، ولا الفن والترفيه قاعة ومسرحا بل روحا تلتئم فيه المشاعر، ولا ينظر إلى الطبيعة كمساحة يجب استهلاكها، بل كعنصر يمكن أن يكون جزءا من صناعة المكان.
فالمسطحات المائية والمساحات الطبيعية والبيئات البديلة يمكن أن توفر عناصر داعمة للتنوع البيئي، وتخلق موائل ومساحات تجذب الطيور والحياة البرية، وتضيف إلى المشهد البحري والسياحي قيمة تتجاوز الترفيه التقليدي.
وهنا يصبح الاستثمار السياحي أكثر من غرف فندقية ومطاعم. يصبح صناعة للحياة.
وهذه هي النقطة التي يجب أن نتعلم منها في الأردن: أن المشروع السياحي الناجح لا يبيع غرفة، بل يبيع تجربة؛ لا يبيع إطلالة، بل يصنع ذاكرة؛ ولا ينتظر السائح، بل يمنحه سببا للعودة.
والاقتصاد في النهاية يترجم هذه التجربة إلى وظائف ودخل وحركة ونشاط، كل زائر متكرر يعني إنفاقا جديدا، وكل فعالية تعني حركة، وكل مطعم وفندق وخدمة يعني سلسلة من المستفيدين تمتد إلى خارج حدود المشروع.
وإذا أضفنا إلى ذلك الحركة المتزايدة في فضاء البحر الأحمر، فإن الصورة تصبح أكبر من مشروع أو مدينة، نحن أمام منطقة تتشكل فيها شبكة اقتصادية وسياحية جديدة، والعقبة بحكم موقعها ليست متفرجا عليها، بل تملك فرصة حقيقية لتكون إحدى بواباتها.
لكن وراء أيلة قصة تستحق التوقف عندها: قصة الإيمان بالمكان. فالاستثمار الحقيقي لا يبدأ دائما عندما تكون الفرصة واضحة للجميع، يبدأ أحيانا عندما يرى صاحب الفكرة والمستثمر ما يمكن أن يصبح عليه المكان قبل أن يراه الآخرون.
أن تضع رأس المال في مدينة، يعني أن تؤمن بمستقبلها، وأن تستمر في الاستثمار فيها، يعني أن تتحول العلاقة من صفقة إلى شراكة مع المكان. وهنا أرى جوهر «صنع في أيلة».
فهي ليست عبارة تسويقية فقط، إنها فكرة تقول إن الاستثمار يمكن أن يصنع من الحب للمكان، والثقة بالمستقبل، والإيمان بالأردن. وعندما يلتقي الاستثمار بحب المدينة، تصبح النتيجة أكبر من مشروع ناجح، تصبح مدينة أكثر حيوية، وزائرا أكثر ثقة، واقتصادا أكثر تنوعا، وصورة سياحية أكثر قدرة على المنافسة.
لهذا، ربما لا يكون السؤال: ماذا بنت أيلة؟
السؤال الأهم هو: ماذا صنعت أيلة والإجابة، في تقديري، تتجاوز المباني، لقد صنعت تجربة، وصنعت ثقة، وصنعت سببا للعودة.
وهذه هي الصناعة التي تحتاجها العقبة والأردن: أن نصنع أماكن لا يكتفي الناس بزيارتها... بل يشتاقون إلى العودة إليها.
صنع في أيلة... بحب العقبة، وبإيمان بالأردن.
*مفوض السياحة والبيئة السابق في سلطة العقبة

 
جميع الحقوق محفوظة للوقائع الإخبارية © 2026
لا مانع من الاقتباس وإعادة النشر شريطة ذكر المصدر ( الوقائع الإخبارية )
تصميم و تطوير VERTEX web solutions