تزوّج فلسطينية فأصبح تونسيا صباحا وفلسطينيا عند الغداء.. تدوينة ساخرة تختصر حكاية الهوية والمحبة
الوقائع الإخباري - أثار الكاتب والمدون التونسي، محمد علي الحرشاني، تفاعلاً ثقافياً وإنسانياً واسعاً عبر الفضاء الرقمي، إثر نشره نصاً سردياً لافتاً بعنوان: "تزوّجت فلسطينية… فأصبحت تونسيًا في الصباح وفلسطينيًا عند الغداء"، تناول فيه بأسلوب ساخر وعميق كيف يمكن للمصاهرة العابرة للجغرافيا أن تعيد تشكيل مفاهيم الهوية والانتماء داخل البيت الواحد.
واستهل الحرشاني تدوينته باستعادة ملامح شخصيته قبل الارتباط، حيث كانت الهوية التونسية تفرض حضورها الصارم في تفاصيل نهاره؛ بدءاً من طقوس قهوة "الإسبريسو" الصباحية، واليقين بأن أعقد الأزمات تجد حلها في نقاش طويل، وصولاً إلى مكانة المطبخ التونسي التي يعتبر فيها طبق "الكسكسي" مسألة سيادة وطنية، وتُمثل "الهريسة" و"البريك" ركيزتين لا تقبلان المساومة في الشخصية المغاربية.
ويروي الكاتب كيف تعرض هذا الحصن الثقافي لما وصفه بـ"اختراق ناعم" دون سابق إنذار، حيث انسلت المفردات الفلسطينية إلى حديثه التلقائي، فباتت "شو" تزاحم "شنوّة"، و"هلأ" تحل مكان "توا"، وتراجعت "نحب" لصالح "بدي"، ليجد نفسه في مفارقة لغوية طريفة يطرح فيها تحية هجينة تجمع بين الجامع الأعظم وأزقة القدس حين يخاطب أصدقاءه بعبارة: "شنوّة يا زلمة.. كيفاشك وبدي أرتاح شوي؟".
وعلى مائدة الطعام، نقل الحرشاني مشاهد "الأزمة الدبلوماسية المصغرة"؛ ففي الوقت الذي يرى فيه الكسكسي رئيساً للمائدة، تفرض الزوجة حضور "المقلوبة" باعتبارها حدثاً يُوثق ويُحتفى به قبل تناوله، ليعلّق ساخراً بأن المقلوبة أثبتت قدرتها على قلب الموازين السياسية داخل المطبخ، في حين غدا زيت الزيتون والزعتر والزيتون عناصر تحمل جواز سفر مشتركاً يُنهي الخلافات بنتيجة واحدة: "المحبة محبة.. وخلونا ناكل قبل ما يبرد الأكل".
ولم يقف النص عند حدود الفكاهة اليومية، بل نفذ إلى عمق التحول الإنساني والوجداني؛ إذ بيّن الكاتب أن فلسطين لم تعد بالنسبة له مجرد عناوين تتصدر شاشات الأخبار، بل تحولت إلى حكايات تُروى في المساء، وذكريات تستحضر أسماء مدن عتيقة كيافا وحيفا وعكا وغزة، وأوجاع تستشعر ثقلها شريكة حياته.
واختتم الحرشاني تدوينته بالتأكيد على أن الانفتاح على هوية الشريك لم يسلبه انتماءه التونسي، بل أتاح له اتساعاً وجدانياً يستوعب قرطاج والقدس، والمالوف والدبكة، في تمازج يثبت أن الأوطان العربية وإن تباينت لهجاتها وتفاصيل موائدها، تلتقي في عمق الذاكرة والكرامة، محذراً بابتسامة تندرية من حال الجيل القادم الذي قد يباغت معلميه بسؤال مركب: "شنوّة بدك مني هلأ؟".








