رصاصٌ في المدى الروحي
م. صلاح طه عبيدات
في لحظةٍ تتداخل فيها قداسة الموت بحرمة المكان، حين يمتزج صمت الجنازة بأصوات التضرّع، أَبَت يدُ الغدر والتكفير إلا أن تُريق دمًا زكيًا على أعتاب الكنيسة في قرية حمود الوادعة بالكرك. لم يكن ذلك الاعتداء المسلح الجبان مجرد حادثة أمنية تُضاف إلى سجلات الجرائم العابرة، بل كان محاولةً يائسة للطعن في قلب الوجود الإنساني، واغتيالاً مكشوفاً لجذور الفكرة الأردنية القائمة على الإخاء الممتد عبر القرون.
إن الجريمة في جوهرها هتكٌ مثلث الأبعاد: هتكٌ لحرمة المعبد الذي يمثل الملاذ الروحي الأخير للإنسان خارج صخب العالم المادي، وهتكٌ لحرمة اللحظة حيث كان الأبرياء يمارسون أسمى طقوس التضامن الإنساني في مشاطرة الحزن وتوديع فقيدة إلى مثواها الأخير، وهتكٌ صريح لكرامة الجسد والحياة. إن العقليات الظلامية المريضة والمدعشنة — أدوات الأعداء وعملاؤهم — لا تنطلق إلا من فلسفة العدم والعداء المطلق للحياة؛ إنها تعبير صارخ عن عجزٍ متأصل عن استيعاب التنوع، وخوفٍ قتّال من المحبة والجمال. يحاول الإرهابي عبر غبار البارود أن يفرض فراغاً على الوجود، وأن يختزل الإنسان الكثيف بالكرامة إلى مجرد هدف أو رقم، غافلاً عن حقيقة تاريخية وفلسفية أزلية: إن العنف التكفيري لا يملك قدرة البناء، بل هو محض ظاهرة هدمية تحترق بذاتها وارتدادٌ عبثي يخسر معركته الأخلاقية قبل الأجهزة الأمنية.
كم هم واهمون أولئك التكفيريون القتلة! ربما لم يقرأوا التاريخ، أو علّهم عجزوا عن فك رموز أصالة هذا الشعب ونخوته المتجذرة منذ فجر الوجود وقبل أن يدوّن التاريخ كلماته الأولى. لم يدركوا أن هذه الأرض احتضنت عزة "مؤاب" وبأس "عمون"، وأن في صخور الكرك ترداداً لبطولات "ميشع" وكبرياء الحضارات التي لم تنكسر يوماً لغازٍ أو ظالم. إن وحدة النسيج الاجتماعي في الأردن ليست شعاراً يُرفع ولا ميثاقاً سياسياً طارئاً، بل هي قدرٌ وجودي وشفرة جينية تسري في عروق الأردنيين، مسلمين ومسيحيين، تعمّدت بالدم والوفاء على مر العصور.
تخطئ الظلامية حين تتوهم أن اختيار الكرك وقراها الضاربة في عمق التاريخ يمكن أن يكون ثغرة لشق هذا الصف المترابط؛ فالكرك رمزيّة حضارية للصلابة والشهامة، حيث تعانق المئذنة القبة الكنسية منذ مئات السنين دون كلف أو تصنّع. إن دم الشهداء والجرحى من أبناء حمود لم يُرق ليفرّق، بل جاء ليعمّد هذه الأرض بقداسة جديدة؛ إذ ارتدت رصاصات الإرهاب حجراً على أوهام صناعه، فبدلاً من إشاعة الرعب، تجلّى الرد في وقفة وطنية صلبة امتزج فيها الحزن بالغضب والتضامن بالإصرار. قد ينجح القتلة في خطف أجساد طاهرة، لكنهم حتماً سحقوا ذواتهم في مزبلة التاريخ، وستظل كنيسة القديس جاورجيوس قائمة تشهد على الطهارة والسلام، وستبقى أجراسها تُقرع لتقول للظلاميين إن الحياة أقوى من الموت، وأن النور لا يطفئه الرصاص.









