«سوفكس 2026».. كيف تحوّل العقبة الحضور الدولي إلى استثمارات وفرص عمل مستدامة؟
الوقائع الإخباري ـ مع انطلاق فعاليات الدورة الخامسة عشرة لمعرض ومؤتمر معدات العمليات الخاصة «سوفكس 2026» في العقبة، برعاية جلالة الملك عبدالله الثاني، وبمشاركة أكثر من 400 وفد رسمي يمثلون 75 دولة، و350 شركة عارضة من 38 دولة، يبرز تساؤل اقتصادي وتنموي مهم حول العوائد التي يمكن أن تحققها المدينة من هذا الحضور الدولي الواسع، والخطوات اللازمة لتحويله إلى فرص استثمارية واقتصادية مستدامة.
فالعقبة، التي تستضيف حدثاً دولياً بهذا الحجم، لا يكفيها الاحتفاء بنجاح التنظيم واتساع المشاركة، بل تحتاج إلى البناء على هذه المكتسبات وترجمتها إلى نتائج ملموسة تنعكس على السوق المحلية، بحيث لا تقتصر مكانتها على استضافة المعارض والمؤتمرات، وإنما تمتد لتكون شريكاً رئيسياً في العوائد الاقتصادية والفرص التنموية الناتجة عنها.
وتعكس المشاركة الدولية الواسعة في «سوفكس» مكانة الأردن وقدرته على استضافة الفعاليات المتخصصة، كما تتيح للعقبة فرصة للتعريف بإمكاناتها الاستثمارية واللوجستية والسياحية، مستفيدة من موقعها الاستراتيجي ومينائها ومطارها ومركزها الدولي للمعارض والمؤتمرات. غير أن التحدي الحقيقي لا يكمن في استضافة الحدث بحد ذاته، بل في كيفية استثمار مخرجاته بعد انتهاء فعالياته.
والمطلوب في هذه المرحلة هو الانتقال من استضافة الحدث إلى استثمار نتائجه، من خلال خطة عمل واضحة تتبناها سلطة منطقة العقبة الاقتصادية الخاصة وشركة تطوير العقبة والجهات المعنية، بالشراكة مع القطاع الخاص، لتحديد الفرص الاستثمارية الممكنة، واستقطاب فعاليات دولية جديدة، وتحويل العلاقات التي تنشأ خلال المعرض إلى مشاريع واتفاقيات وفرص اقتصادية قابلة للتنفيذ.
العائد الذي ينتظره أبناء العقبة
لا يُقاس النجاح الحقيقي للفعاليات الدولية بعدد الوفود والشركات المشاركة فحسب، بل بمدى انعكاسها على حياة أبناء المدينة، من خلال زيادة الطلب على الفنادق والمطاعم ووسائل النقل والخدمات، وتنشيط الأسواق التجارية، وإتاحة المجال أمام المؤسسات الصغيرة والمتوسطة للمشاركة في تقديم الخدمات والتوريدات المرتبطة بهذه الفعاليات.
كما أن استدامة المكاسب الاقتصادية تتطلب ربط المعارض الكبرى ببرامج للتشغيل والتدريب تستهدف الشباب، إلى جانب تمكين الشركات المحلية من التواصل المباشر مع المستثمرين والموردين الدوليين، بما يعزز قدرتها على المنافسة ويفتح أمامها آفاقاً جديدة للتوسع والوصول إلى الأسواق الخارجية.
ومن الضروري أيضاً قياس الأثر الاقتصادي للمعرض بصورة موضوعية، من خلال بيانات توضح حجم الإنفاق داخل العقبة، ونسب إشغال المنشآت السياحية، وفرص العمل التي وفرها الحدث، وحجم العقود التي استفادت منها الشركات المحلية. ومن شأن هذه المؤشرات أن تساعد الجهات المعنية على تحديد النتائج التي تحققت فعلياً، ورصد الجوانب التي تحتاج إلى تطوير في الدورات المقبلة.
من «سوفكس» إلى أجندة دولية دائمة
تمتلك العقبة فرصة للاستفادة من نجاح «سوفكس» في بناء أجندة سنوية للمعارض والمؤتمرات الدولية، تستقطب قطاعات اقتصادية متنوعة، ولا تقتصر على الصناعات الدفاعية والأمنية، بل تشمل التكنولوجيا والخدمات اللوجستية والاستثمار والسياحة والاقتصاد الأزرق.
ومن شأن هذا التوجه أن يعزز مكانة العقبة وجهةً للأعمال والمؤتمرات، ويرفع الطلب على الخدمات على مدار العام، ويسهم في تنويع النشاط الاقتصادي والحد من الاعتماد على المواسم السياحية التقليدية، بما يتيح للمدينة الاستفادة بصورة أكبر من بنيتها التحتية ومرافقها الخدمية.
كما يمكن تعزيز العوائد السياحية من خلال ربط مشاركة الوفود والزوار في المؤتمرات بالمنتج السياحي الأردني، عبر برامج منظمة تشمل وسط مدينة العقبة وأسواقها وشواطئها ومواقعها التراثية، إلى جانب تشجيع زيارة وادي رم والمناطق السياحية المجاورة. ويسهم هذا التوجه في إطالة مدة إقامة الزوار وتوسيع نطاق الإنفاق السياحي داخل المحافظة، بما يعود بالنفع على المنشآت السياحية والتجارية ومقدمي الخدمات المحليين.
المطلوب اليوم.. نتائج لا شعارات
تتطلب المرحلة المقبلة إعلان رؤية واضحة لما بعد «سوفكس»، تتضمن أهدافاً قابلة للقياس، وجدولاً زمنياً لاستقطاب فعاليات جديدة، وآليات عملية لإشراك أبناء العقبة ومؤسساتها الاقتصادية في الاستفادة من الزخم الدولي الذي توفره هذه الأحداث.
كما أن تحقيق نتائج ملموسة يستدعي التنسيق بين الجهات الرسمية والقطاع الخاص، وتحديد المسؤوليات والأولويات، ومتابعة تنفيذ المشاريع والاتفاقيات التي يمكن أن تنشأ عن اللقاءات الدولية، بما يضمن الانتقال من الترويج للإمكانات الاستثمارية إلى استقطاب استثمارات فعلية تسهم في دعم الاقتصاد المحلي وتوفير فرص العمل.
فالعقبة لا ينقصها الموقع الاستراتيجي ولا القدرة على استضافة الأحداث الكبرى، وإنما تكمن الفرصة في حسن إدارة مرحلة ما بعد الحدث، وتحويل الحضور الدولي إلى استثمارات مستدامة ومشاريع منتجة وفرص عمل حقيقية.
إن «سوفكس» ليس نهاية المشهد، بل يمثل اختباراً لقدرة العقبة على تحويل النجاح التنظيمي إلى نجاح اقتصادي وتنموي. والرهان الحقيقي هو أن يبقى أثر المعرض حاضراً في الأسواق والمنشآت والمشاريع وفرص العمل، حتى بعد مغادرة آخر وفد دولي.
ويبقى السؤال الذي ينتظر أبناء العقبة إجابة عملية عنه: هل يشكل «سوفكس 2026» نقطة انطلاق لمرحلة جديدة من الاستثمار والتشغيل والتنمية المستدامة، أم ستظل المدينة تنتظر الحدث الدولي المقبل لتتكرر الأسئلة ذاتها؟









