المنطلقات الأساسية لتطوير البحث العلمي

{clean_title}
د. عدنان الجادري
تعد الجامعة وفي كل العهود التي مرت بها البشرية رمزاً لنهضة الأمم وعنواناً لعظمتها ورقيها , و ضرورة اجتماعية وحضارية تمليها متطلبات العصر باعتبارها الكيان الذي يحتضن البيئة الثقافية بأبعادها الفكرية والعلمية والتكنولوجية , وتمثل عقل المجتمع وضميره الأنساني في مواجهة التحديات والتغيرات على الصعيد الحضاري والفكري وعين المجتمع في رؤيته وتطلعاته نحو المستقبل استلهاماً من تراثه وشخصيته الحضارية . وغالبا ما يقاس تطورالأمم في ضوء المكانة التي تتبوؤها مؤسساته التعليمية وبالأخص الجامعات باعتبارها البيئات العلمية المؤهلة لامداد مؤسسات الدولة والمجتمع بالموارد البشرية الكفوءة والمقتدرة على تحقيق التقدم في ميادين الحياة كافة . والجامعة بمفهومها المعاصر هي مصنع المعرفة واهدافها لن تعد ترفا مجتمعياً لأعداد موارد بشرية ومنحهم شهادات في اختصاصات مختلفة لشغل الوظائف في سوق العمل بل اصبحت خياراً استراتيجيا في اطارمنظومة استثمارية وتنموية للموارد البشرية .

والجدير بالذكر إن الجامعات منذ نشأتها ركزت وظيفتها الرئيسه على التعليم وتقديم المعرفة , الا إن البحث العلمي بعد ذلك اخذ يشكل وظيفة أساسية من وظائفها باعتباره الأداة الفاعلة والطاقة المحركة لإنتاج وتطوير المعرفة, ويعود ذلك تحديداً الى منتصف القرن التاسع عشر. و بالرغم من قدم تاسيس بعض الجامعات المرموقة مثل جامعة هارفرد التي تاسست عام 1636 و جامعة ييل التي تاسست عام 1701 وجامعة برنستون وجامعة كولومبيا وجامعة بنسلفانيا التي تاسست في النصف الثاني من القرن الثامن عشر لم تكن بداياتها جامعات بحثية ولكنها اتجهت لان تكون جامعات بحثية في حقبة لاحقة . ولكن المرحلة الحاسمة التي احدثت نقلة نوعية في اهداف ونشاطات الجامعات والأنطلاق نحو مؤسسة الجامعات البحثية بدأت عقب تاسيس جامعة ( جونز هوبكنز ) عام 1876 التي ارست دعائم الانطلاق لأن تصبح الولايات المتحدة الامريكية كقوه عظمى ...وذلك لانها نهجت نمطاً جديدأً من التوجهات التي تركز على البحث العلمي والانتاج المعرفي لتطوير الصناعة وتعظيم العائد الأقتصادي وأسست لجيل جديد من الجامعات ا لذي يطلق عليه جيل الجامعات البحثية. وان الرؤية التي استندت عليها هذه الجامعات اعطاء اهمية قصوى للبحث العلمي وجعلته من أولويات اهتمامها كونه من أهم مصادر التمويل الخارجي لها وحتى أطلق على هذا التحول الجديد بالثورة الأكاديمية , وذلك ايماناً بالدور الذي يؤديه البحث العلمي في عملية التنمية الاقتصادية للبلاد. ولهذا حرصت العديد من الدول المتقدمة الى تبنى هذا النهج في وقتنا المعاصر والبحث عن افضل صيغ التنسيق والتعاون بين الجامعات والمؤسسات الأقصادية والإنتاجية في مجال البجث العلمي. وعموماَ يعكس هذا النهج حرص الجامعات على أداء وظيفتها البحثية الى جنب وظيفتها التعليميه لأهميتها في تقدم المجتمع وتنميته واسهامها في زيادة موارد الدخل للجامعات وذلك في ضوء ما تحصل عليه من دعم وتمويل مادي مقابل ما تقوم به من مشاريع بحثية للمؤسسات وقطاعات المجتمع.

اما في جامعاتنا العربية فعلى الرغم من الاهتمام المتزايد باهمية البحث العلمي في وقتنا الحاضر إلا أنه مازال يفتقد الى وضوح السياسات والاستراتيجيات في معظم دولنا التي تتبنى خططاً ومشروعات حكومية يفترض ان تنبثق منها مشرعات بحثية . ومن ثم هناك انفصال بين ما تريده الدول أو تنهض به مؤسساتها العاملة وبين ما تقوم به الجامعات من بحوث لها أغراض خاصة بها قد لا تلتقي بالضرورة مع أهداف التنمية وحاجات المجتمع . وبات يمثل البحث العلمي وللاسف الشديد نشاطا ليس له آثاراًاقتصادية واجتماعية في مجتمعاتنا , وذلك لأن معظم البحوث التي ينتجها اعضاء هيئات التدريس هي بحوث تلبي اغراضهم الشخصية للحصول على الترقيات العلمية ،وكذلك بحوث طلبة الدراسات العليا لتلبية متطلبات الحصول على الشهادة ( الماجستير والدكتوراة ) . واصبحت معظم هذه النتاجات البحثية ليست ذات صلة بالجوانب التطبيقية وبعيدة عن رؤية المجتمع وحاجاته ومشكلاته، ويغلب عليها الطابع الفردي والشخصي .

وقد تتحمل في جزءأً من هذه المشكلة عمادات البحث العلمي في جامعاتنا العربية باعتبارها الكيانات الأدارية والاكاديمية الموجهه والمنسقه لكافة الانشطة والفعاليات البحثية في الجامعات وحلقةات الوصل بين الجامعات ومؤسسات المجتمع الرسمية والمجتمعية . وتعد النواة او الحاضنة والمرآة التي تعكس واقع البحث العلمي على صعيد الكم والنوع في الجامعات . وانطلاقاً من رؤية الجامعات ورسالاتها إن البحث العلمي لم يعد ترفاً علمياً وانما يشكل احد المعايير الأساسية الذي يعتمد في تصنيف الجامعات العالمية، وخصوصاً التصنيف الأكثر شيوعاً والمعروف بـ (QS) . و تحضى هذه العمادات عموماً باهتمام ودعم القيادات الجامعية واصحاب القرارات لتتمكن الجامعة من أن تحقيق رؤيتها ورسالتها واهدافها في ارساء معالم نهضتها ومستقبلها الأكاديمي وتحديد موقعها على خارطة الجامعات العالمية المتقدمة . ولكي تنهض هذه العمادات والجامعات بمهامها البحثية من الضروري الاستفادة من تجارب وخبرات الجامعات البحثيية المتقدمة في العالم وان تسترشد بالمنطلقات الأساسية والضرورية التالية لأرساء قواعد بحثية رصينة ووفق استراتيجية واضحة والتي تتمثل في :

1- التعاون والتنسيق بين كليات الجامعة وعمادات البحث العلمي لوضع الآليات التي من شأنها تعزيز ثقافة البحث العلمي لدى اعضاء هيئة التدريس وابراز اهمية العمل باسلوب الفرق البحثية واجراء البحوث المتعددة التخصصات لمعاجة المشكلات والقضايا العلمية .ولهذا بات من الضروري ان تفعل عمادات البحث العلمي نشاطاتها وجهودها لفتح آفاق جديدة وفرصاً عديدة أمام الباحثين من أجل نشر ثقافة البحث العلمي في ظل عزوف بعض من أعضاء هيئة التدريس عن البحث العلمي وخصوصاً من فئة الأساتذة التي يعول عليها تطوير المعرفة العلمية.

2– إن غالبية اعضاء هيئة التدريس في الجامعات العربية من خريجي الجامعات العربية والقلة من خريجي الجامعات الأجنبية التي لغة التدريس فيها اللغة الأنجليزيه . وإزاء هذا الوضع ينبغي ان تعد الجامعات برامج تدريبية لتطوير كفاءة اعضاء هيئة التدريس باللغة الانجليزية وفق خطط علمية ومدروسة وعلى مدار العام الدراسي . ولتحقيق ذلك يجب ان تعمل مراكز اللغات واقسام اللغة الانجليزية في الجامعات على اعداد هذة البرامج وتنفيذها , بالاضافة الى عقد اتفاقيات ثقافية مع جامعات رصينة في دول ناطقة باللغة الانجليزية لتدريب اعضاء هية التدريس وذلك للارتقاء بمعايير اداء التدريس الجامعي وتحسين جودته . إذ ان أهمية هذه اللغة تظهر في كون معظم المعرفة العلمية والحداثة التي تتجسد فيها مضمنة في الكتب والمراجع والمجلات العلمية التي تصدر في الدول الأجنبية , وان عدم امتلاك مهارات اللغة الأنجليزية يعني اقتصارالحصول على المعرفة العلمية من الكتب والمراجع العربية وبالتالي تحجب على طالب المعرفة اكثر من 70% من المعرفة الحديثة . و ان هذا التوجه في تصورنا يمكن ان يقلل من اهمية احد الشروط التي حددتها هيئة اعتماد مؤسسات التعليم العالي هو وجوب ان تمثل نسبة اعضاء هيئة التدريس المتخرجين من جامعات اجنبية والتي لغة التدريس فيها الانجليزية ( 25 % ) من مجموع اعضاء هيئة التدريس في كل برنامج من برامج الدراسات العليا .

3 - من اجل تنظيم البحث العلمي لاعضاء هيئة التدريس وفق اسس وتعليمات ناظمة وعدم ترك عملية اجراء البحوث انطلاقاً من رغبات شخصية بشكل مطلق و بعيداً عن رؤية واهداف الجامعة , ينبغي ان تكون هناك خطة سنوية للبحث العلمي في كل قسم علمي من اقسام كليات الجامعة , وهذه الخطة يتم اعدادها في بداية العام الدراسى وفق آلية محددة وكالآتي :-

يقدم كل عضو هيئة تدريس مخططات مشاريع البحوث التي يرغب بتنفيذها الى القسم العلمي لمناقشها واتخاذ القرارات بصددها من حيث القبول او الرفض وفق معايير محددة تضعها الكلية بالتعاون مع عمادة البحث العلمي . وفي حالة قبول القسم لموضوع البحث يعتمد البحث في خطة القسم البحثية ويوعز لعضو هيئة التدريس للسير باجراءاته وتنفيذة مع تقديم كل ما يتطلبه من دعم من قبل القسم العلمي . وتحفط هذه الخطط البحثية في الاقسام العلمية وعندما يقدم عضو هيئة التدريس للترقية العلمية يجب ان تكون بحوثة مدونة ضمن الخطط البحثية السنوية للاقسام العلمية وعدم قبول اي بحث علمي لغرض الترقية غير مضمن في الخطط البحثيه. ان هذا الأجراء سيجعل من الترقيات العلمية اكثر رصانة وبعيدة عن السلوكات غيرالاكاديمية للباحثين وما تجرى من اتفاقات غير سليمة بين اعضاء هيئة التدريس في تبادل وضع الاسماء على البحوث التي يجرونها من دون مشاركة فعلية في اعدادها وتنفيذها .

4 - أن تقوم الجامعات من خلال الكليات و بالتعاون والتنسيق مع عمادات البحث العلمي على تعزيز النفاعل والتشاركية مع مؤسسات الدولة والقطاع الخاص لكي تسهم في دعم وتطوير البحث العلمي . ان هذا التفاعل الحيوي بين الجامعة والقطاعات الأخرى سيوفر فرص لاعضاء هيئة التدريس وطلبة الدراسات العليا لتناول مشكلات حقيقية تعاني منها تلك المؤسسات وتوظيف المنهجيات العلمية لمعالجتها وبالتالي تصبح نتاجات هذه البحوث ليست ذات قيمة علمية فحسب وانما ذات اهمية تطبيقية ومجتمعية . اضافة الى ذلك ان تفعيل هذه التشاركية سوف يسهم في ادماج المؤسسة الجامعيه واعضاء هيئة التدريس فيها بقضايا ومشكلات تعاني منها المؤسسات الرسمية والمجتمعية لايجاد الحلوال الناجعة لها وتحقيق مردودات مادية للجامعة .

5 - ضرورة وضع تعليمات تشكيل مجالس ولجان البحث العلمي من قبل رئاسات الجامعات وفق اسس علمية رصينة ويتم الأختيار لها من الرتب العلمية العليا لغرض ترصين اداء هذه المجالس وتقوية انجازاتها . ويتحقق ذلك من خلال ترشيح المختصين من ذوي الخبرة والكفاءة المتميزة والتي لها تاريخاً مشرفاً في اداءها البحثي للعمل ضمن هذه المجالس واللجان بهدف رسم السياسات والخطط العلمية وتوجية انشطة البحث العلمي والعمل بموجب مهام تحددها ادارات الجامعات . وإن اداء هذه المهام بشكل متقن وفعال ينعكس ايجابياً على انتاج بحوث علمية تتمثل فيها معايير الجودة والنوعية وذات اهمية علمية نظرية وتطبيقية تصب في خدمة المجتمع وتطويره .

6 - ان تعمل كليات الجامعات بالتعاون مع عمادات البحث العلمي على تنمية مهارات البحث العلمي لأعضاء هيئة الدريس فيها وذلك من خلال عقد دورات وورش تدريبية متخصصة تتناول في موضوعاتها كيفية اعداد مشروعات خطط البحث العلمي وكتابة التقارير النهائية وبشكل ينسجم مع تعليمات كتابة البحوث الرصينة . اضافة الى عقد ورش تدريبية نوعية لاعضاء هيئة التدريس تتناول تصميم البحوث العلمية والتوظيفات الأحصائية فيها وعقد محاضرات تتناول اجراءات تطوير مخططات البحوث النوعية وكيفية تنفيذها وذلك لاهميتها لبعض التخصصات العلمية والانسانية .

7 - العمل على تحفيز ودعم كليات الجامعات بضرورة توسيع قاعدة التعاون مع الجامعات العالمية المرموقة ومراكز البحوث العلمية المتطورة في اطار التخصصات المناظرة لها من اجل تطوير الأبتكار والأبداع في البحث العلمي , مع التاكيد على ضرورة العمل مع هذه المؤسسات العلمية المتقدمة بمنهجية وروحية الفريق البحثي لغرض تطوير كفاءة وقدرات اعضاء هيئة التدريس في مجال البحث العلمي .

8- ان تعمل الجامعات على زيادة دعم وتحفيز الباحثين من أساتذة وطلبة الدراسات العليا على إجراء مشاريع بحثية قيمة تستقصي مشكلاتها من واقع المؤسسات الحكومية والقطاع الخاص و بما تتناسب مع الأولويات البحثية الوطنية. وان تقدم كافة الخدمات المساندة للباحثين بأعلى مستوى من التميز والجودة لغرض زيادة كم ونوعية الإنتاج العلمي .

9 - لغرض الارتقاء بمستوى تصنيف الجامعات في اطار التصنيفات المحلية والاقليمية والعالمية وبالأخص في معياري النشر والإستشهاد في البحوث , ان تسعى الجامعات وعمادات والبحث العلمي بالتعاون مع كليات الجامعة إلى تحفيز وتشجيع اعضاء هيئة التدريس لنشر بحوثهم العلمية في مجلات علمية مصنفة في قواعد بيانات لها معاملات تاثير عالية لغرض الارتقاء وتحقيق مستوى متقدم في النشر العلمي والأستشهاد . ان هذا العمل بلا شك سيسهم في تعزيز البحث والنشر العلمي وينعكس إيجاباً على تصنيف الجامعة .

10- ان تسعى عمادات البحث العلمي الى توجيه أهتمام اعضاء هيئة التدريس نحو إجراء البحوث التطبيقية لأن هذه الأبحاث تمثل عنصرا هاما وحيويا في حياة أي مؤسسة تعليمية و علمية و فكرية، وتعتبر هذه الأبحاث ايضاً من أهم المقاييس المتداولة لتقويم الدور الريادي في المجالين العلمي والمعرفي للجامعة ولأعضاء هيئة التدريس، حيث يعتمد تقييم عضو هيئة التدريس في الجامعات المتقدمة على شقين أساسين أولهما ما يستطيع جذبه إلى الجامعة من مشاريع بحثية تزيد من إمكانيات الجامعة المادية ودخلها , والثاني قدرته التدريسية . كما أن أنشطة ومقومات البحوث التطبيقية والتي تنبثق عادة من حاجة المجتمع لخدمة أو إنتاج سلعة أو حل مشكلة تتطلب تضافر جهود باحثين ذوي اختصاصات متعددة وخبرات مختلفة. وحتى أنشطة البحوث التطويرية التي تهدف إلى التطوير والتجديد تعتمد اساساً على تطبيق نتائج البحوث التطبيقية

11- ضرورة تأهيل ورفد مكتبات الجامعات والكليات باحدث المراجع والكتب والدوريات الورقية والألكترونية وتوفير الاجهزة والحواسيب للبحث العلمي . مع التاكيد على انشاء قواعد معلومات للبحوث الجارية والمنتهية في الجامعات وتبادل المعلومات والخبرات مع المؤسسات العلمية الاخرى محليا واقليميا ودوليا.والسعي نحو توفير وسائل ومواقع التوثيق العلمي لتسهيل مهمات الباحثين في مجال النشر العلمي .

12- حث اعضاء هيئة التدريس على اشتراكهم في عضوية الجمعيات العلمية المحلية والعالمية ذات التخصصات المناظرة لتخصصاتهم للاستفادة من الامتيازات والفعاليات التي تؤديها هذه الجمعيات لاعضائها.

13 - تحفيز الباحثين من اعضاء هيئة التدريس وطلبةالدراسات العليا على اجراء البحوث الاصيلة والمبتكرة التي تسهم في اثراء المعرفة المتخصصة في خدمة المجتمع وتقديم المشورات العلمية وتطوير الحلول العلمية والعملية للمشكلات التي تواجه المجتمع .

وأخيراً يمكن القول هذا ما اجازتني به خبرتي الجامعية المتواضعة في مجال البحث العلمي للأدلاء بها واتطلع الى اصحاب القرارات والمختصين في عالمنا العربي لدراسة هذه المنطلقات الأساسية بمثابة مقترحات لتطوير البحث العلمي في جامعاتنا العربية والأفادة منها بما يخدم مسيرة التعليم الجامعي العربي للمستقبل المنظور. والله من وراء القصد
وخير الاعمال ما ينبت منها في الأرض






 
تابعوا الوقائع على