حديث القلب للقلب

{clean_title}
المهندس سعيد بهاء المصري
في غمرة صراع الامم مع جائحة كورونا حول العالم والتي تنشغل في مكافحة الفيروس العنيد الذي اطاح بانماط الحياة المختلفة على المستوى الصحي والاقتصادي واخيرا اجهز على الحياة الاجتماعية وتجمهر الناس.

ومما لا شك فيه ان اثر كل ذلك على عامة الناس كان شديدا ليس اقلها في الجانب النفسي واحساس بعدم التيقن الذي ساد في جانب العلاج والوقاية من هذا الوباء اللعين.

انني على يقين ان الاردن تميز في هذا السياق عن كل دول العالم من خلال العلاقات الانسانية التي تربط مؤسسة العرش بالشعب الاردني العظيم حيث قاد عميد آل هاشم جلالة الملك عبدالله الثاني، وسمو ولي عهده الحسين بن عبد الله الثاني قواتنا المسلحة والاجهزة الامنية وحكومة جلالة الملك في ادارة مشتركة عز نظيرها على صعوبة الادارة لازمة مستفحلة في كل نواحي الحياة كما ذكرت.

ولم تمنع عزيمة الملك في ادارته لهذه الازمة من العودة لانسانية عمرت قلبه النابض بمحبة واحترام لشعبه ورثها كابرا عن كابر، في تفعيل قنوات تواصل مبتكرة كانت له فيها طريقة مميزة لتخفيف آلام ومعاناة الفئات المختلفة من الناس من خلال بث روح التفاؤل ووضع الناس في صورة افكاره التي يوجه بها المسؤولين على مختلف مستوياتهم، وتلقي جلالته التغذية الراجعة لتقييم الرضا الشعبي في هذا السياق.

وقد تبين لي ان جلالة الملك رسم دورا باطار مختلف لمستشارية شؤون العشائر الاردنية والتي تمثل جزءا لا يتجزا من الطيف الشعبي الاردني حيث ان الادارة الجديدة لها والتي يقودها مستشار جلالة الملك لشؤون العشائر وهو احد ابناء العشائر الشباب معالي الدكتور عاطف الحجايا تضطلع بمهمة ترتيب لقاءات منسقة مع مجموعات مختارة من فئات مختلفة من مجتمعنا ممن كان لهم شرف الخدمة في قواتنا المسلحة والاجهزة الامنية من المتقاعدين العسكريين اضافة الى من خدم في السلك المدني الحكومي واخيرا ممثلين عن ناشطي مؤسسات المجتمع المدني وجميعهم من ابناء هذا الوطن الغالي جمعهم حب الاردن القيادة والشعب.

وقد كان لي شرف المشاركة مع كوكبة من ابناء الوطن في احدى هذه المجموعات (عددنا الاجمالي ثمانية من متقاعدين عسكريين ووزراء سابقين اضافة الى اخوات لنا من السلك التعليمي والخدمات الطبية التوعوية لمؤسسات المجتمع المدني).

حيث كان لنا جميعا شرف لقاء جلالة الملك يوم الثلاثاء الموافق 16 شباط بحضور دولة رئيس الوزراء ومعالي رئيس الديوان الملكي وعطوفة رئيس هيئة الاركان المشتركة ومستشاري جلالة الملك.

وكعادة جلالة الملك القى كلمته التوجيهية للحضور حيث رسم فيها ما استجد من مبادرات جلالته في دعم المتقاعدين العسكريين واحدثها برنامج رفاق السلاح للمتقاعدين العسكريين التي تهدف الى دعم صندوق الاسكان العسكري بمبلغ اضافي قدره 438 مليون دينار لزيادة عدد المستفيدين من قروض الاسكان من العسكريين والاجهزة الامنية. كما يتضمن البرنامج شمول المتقاعدين العسكريين بخدمات صندوق الائتمان العسكري من خلال إنشاء نافذة تمويلية لهم بنسب مرابحة مدعومة. وقد كلف جلالة الملك سمو ولي العهد بمهمة الاشراف على هذا البرنامج.

كما اكد جلالته استمرار الحكومة في برامج مكافحة الجائحة من اجراءات احترازية لالتزام المواطنين في لبس الكمامات والتباعد وعدم التجمهر اضافة الى برامج التحصين.

وعرض جلالة الملك كذلك توجيهاته للحكومة في الموازنة بين اجراءات الدولة الاحترازية للتخفيف من وطأة الجائحة وبين اطلاق النشاط الاقتصادي واستعادة الاقتصاد الوطني لعافيته، وهنا طلب جلالة الملك من الحضور الادلاء بآرائهم حول هذه المواضيع.
وبطبيعة الحال سأترك لزملائي الذين رافقوني للقاء جلالة الملك خيار كتابة ما عرضوه من مواضيع امام جلالته، فيما ساقوم بعرض ما تقدمت به من مواضيع امام جلالته وبالتحديد في الشأن الزراعي.

كان التحدي الاكبر بالنسبة لي ان اعرض واقع القطاع الزراعي والتحديات التي تواجه العاملين به والحلول المقترحة خلال دقائق معدودة، حيث يعلم القارئ الكريم لمقالي هذا ان القطاع الزراعي كان قبل الجائحة يتعرض لنكسات سنوية وتفاقمت نكساته خلال الجائحة الحالية وما بعدها.

وكان لا بد من وضع اولويات لاسباب الانتكاسات المستمرة التي يتعرض لها العاملون في هذا القطاع الاقتصادي الهام.
وعليه قمت بعرض هذه الاسباب بمنظور اشمل وهو (الأمن الغذائي الوطني ) كالاتي:-

(مع بعض اضافات تفصيلية لتوضيح رأيي لقارئ هذه المقالة ) :-

1) ارتفاع كلف الانتاج النباتي والحيواني ما قبل الضريبة، افقد المنتج الاردني تنافسيته على مستوى الاقليم الذي نحن جزء منه، وكذلك العالم الذي ينتج نفس ما ننتج بكلف اقل مما نتكلف نحن، وقد ادى هذا الارتفاع في الكلف الى مفاقمة خسائر المزارعين خاصة بعد بدء سريان تطبيق ضريبة الدخل على الصادرات وعلى الشركات وكذلك الضريبة العامة على المبيعات دون مراعاة للكلف المرتفعة قبل الضريبة مما شكل تحديات كبيرة على العاملين بسلسلة التزويد وعلاقتها بشبكة الانتاج وانتهت بترك المزارع المنتج يدفع ثمنا باهظا بعد ان استوفى وسطاء سلسلة التزويد مستحقاتهم واتعابهم، ان تتابع هذه العمليات التجارية الخاسرة دون تقييم عبر سنوات راكم ديونا على مستوى معظم المزارعين صغارهم ومتوسطيهم، مما افقد الانتاج الزراعي جدواه الاقتصادية من حيث العائد على الاستثمار ، حيث قدر اجمالي هذه الخسائر بمئات الملايين من الدنانير.

وللاسف تفاقمت هذه المشكلة عندما ضربت الجائحة سلاسل التزويد في العالم ومنها الاردن حيث اختلت معادلات العرض والطلب وادى توقف دورة الاقتصاد والاعمال بشكل كلي او جزئي الى تعميق حجم الخسائر لدى غالبية المزارعين بما فيهم كبار المنتجين، وقد اكدت لجلالة الملك والحضور ان المزارعين في المملكة اصبحوا يراكمون ديونا عليهم جراء عدم توقفهم عن النشاط الانتاجي خوفا من تعرضهم لملاحقات قضائية من قبل الدائنين ، وما يثبت صحة ما اذكر هذا الكم الهائل للقضايا المنظورة في المحاكم وحجم المطلوبين للتنفيذ القضائي في هذه القضايا ، ولأن المزارعين المكلومين جزء من سلسلة التزويد فقد لحق الضرر المادي بكثير من تجار المواد الزراعية والوسطاء الذين كانوا يمولون عمليات الانتاج للمزارعين نتيجة تعثر المزارعين عن سداد ديونهم وبالتالي تعطلت الدورة الاقتصادية لراس المال المحرك لقطاع الزراعة، وبطبيعة الحال ابتعدت معظم مؤسسات التمويل التجارية في البلاد ومنها البنوك والصناديق التمويلية عن تمويل القطاع الزراعي باعتباره قطاعا عالي المخاطر.

ولحل معضلة ارتفاع تكلفة الانتاج (قبل الضريبة) فقد اقترحت ان يتعاون القطاع المصرفي وصناديق التمويل من خلال حماية تأمينية لحالات التعثر في سداد القروض بحيث تكون نتيجته اقامة مشروع وطني لتحديث البنية التحتية والمعدات والممارسة الزراعية يمتد لسنوات مقبلة، بحيث يكون هذا التحديث على مستوى المزرعة وبموجب دراسات جدوى اقتصادية معمقة لحث البنوك التجارية والصناديق على تقديم مثل هذه القروض ( ممكن من خلال ائتلاف بنكي تشترك فيه مؤسسة الاقراض الزراعي بعد رفع راس مال المؤسسة). ان استخدام التقنيات الحديثة سيسهم في خفض كلّف الانتاج ومساحات الاراضي المستخدمة حاليا كون التقنيات تنتج كميات لمساحات اقل وتحتاج لعمالة نوعية ماهرة اكثر وعمالة غير ماهرة اقل، واخيرا ان خفض الكلف سيفتح الباب واسعا لعودة الاردنيين للعمل بالزراعة الحديثة ولاطلاق مشاريع الصناعات الغذائية المستدامة.

2) لقد كشفت جائحة كورونا خللا هيكليا في جسم القطاع الزراعي الاقتصادي، فقد تأثر الاستهلاك للمواد الغذائية كما ونوعا نتيجة تغيير انماط الاستهلاك لدى المواطنين بسبب تعرض شرائح منهم الى تعطيل اعمالهم وبالتالي دخولهم نتيجة للحظر ، فيما اصبح البعض الاخر اكثر حرصا في ادارة شؤون الاسرة المالية ، اضافة الى التغييرات الجيوسياسية في المنطقة واغلاق الحدود امام الصادرات الزراعية، وهذا يعني بالتاكيد تغيير كامل في معدلات الطلب على المواد الغذائية ومنها الخضار والفواكه واللحوم ومنتجات الحبوب . ان تذبذب معدلات الطلب على هذه المنتوجات الزراعية وفي ظل غياب تنظيم الانتاج بين المزارعين في الكميات الموسمية السنوية الواجب انتاجها لمواجهة تذبذب معدلات الطلب قد ادى الى اغراق الاسواق بكميات تتجاوز استيعابها اليومي وبالتالي الحق خسائر اضافية بالمزارعين خلال العام 2020 وحتى الان.

واقترحت كحلول لادارة هذه الازمة امام جلالته، اعادة النظر في القوانين الناظمة لعمل مؤسسات القطاع الخاص المشرفة على الانتاج والاعمال الزراعية مثل اتحاد المزارعين والجمعيات التعاونية الزراعية والنقابات وجمعيات الاعمال الزراعية بحيث يتم اعادة مهننة هذه المؤسسات والحد من تسيسها بحيث تكون مهمة اتحاد المزارعين الرئيسية مثلا (تنظيم الانتاج الموسمي السنوي للمحاصيل الطازجة لتفادي الاختناقات التسويقية واغراق الاسواق ) وكذلك متابعة وتقييم اربحية القطاعات الزراعية المنتجة وتنافسية المنتج الزراعي الاردني ويتم ذلك بالتنسيق الكامل مع وزارة الزراعة ومؤسساتها التابعة ، كما يمكن تنظيم قطاع الاعمال الزراعية من خلال انشاء غرفة للزراعة تعنى بالترويج والتسويق واقامة شبكة علاقات عالمية لفتح الاسواق امام المنتوجات الزراعية الاردنية ، فيما تنطلق التعاونيات الزراعية من خلال قانون جديد لاتحاد التعاونيات الزراعية لمأسسة الانتاج النباتي والحيواني وخروجه من العمل الزراعي الفردي .

3) وأخيرا قمت بطرح افكار لتوطين زراعات الاعلاف والحبوب في البادية الاردنية وكذلك في وادي عربة من خلال تنفيذ (مشروع وطني للحصاد المائي)

وحفر آبار عميقة (1200 م حد ادنى ) لاستخدام هذه المياه في سقاية المواشي وانشاء مزارع على اراضي الخزينة لانتاج محاصيل العجز ( نستورد سنويا اكثر من 98 ٪ مما نستهلك من الحبوب والاعلاف )، وبطبيعة الحال يجب عمل دراسات جدوى اقتصادية لهذا المشروع الهام كي يكون نواة لجذب الاستثمارات الزراعية الوطنية والعربية والاجنبية التي ستستخدم احدث الاساليب الزراعية بما فيها تحلية المياه المئوي والطاقة البديلة على ان تستفيد المجتمعات المحلية من هذه الاستثمارات من خلال فرص التوظيف ودخول جمعيات تعاونية لهذه المجتمعات في شراكات مع المستثمرين لتحقيق الفائدة القصوى لاستدامة هذه المشاريع ، وبحث سبل تمويله عبر سنوات قادمة.

وعند انهاء مداخلتي ، اكد جلالة الملك تفهمه الكامل للتحديات التي يواجهها القطاع الزراعي واهتمامه بايجاد الحلول العملية التي تتيح للقطاع استدامة نشاطه واعماله واهمية ادخال التقنيات الحديثة للقطاع لتمكينه من استدامة اعمال القطاع الزراعي ليكون قادرا في المساهمة الناتج الاجمالي المحلي كما اكد جلالته على توجيه الحكومة للعمل بهذا الاتجاه ، وطلب من دولة رئيس الوزراء بشر الخصاونة التحدث عن خطط الحكومة.

وبأمانة ، فان ما سمعته من دولة الرئيس يندرج تماما مع ما اسلفت في هذا المقال ، حيث اتفق مع الراي القائل اننا نستورد اكثر من 98 ٪ من الحبوب والاعلاف المستهلكة محليا وان الحكومة ماضية قدما في وضع اللمسات النهائية لمشروع الخارطة الزراعية التي ستصنف كافة اراضي المملكة وصلاحيتها للزراعة وكذلك تبني فكرة المشروع الوطني للحصاد المائي والذي سيكون له مخصصات انشاء السدود الترابية والحفائر في كافة المساقط المائية النشطة التي تغذى سنويا من السيول بمساعدة القوات المسلحة / سلاح الهندسة ، لتمكين مربي المواشي من توفير مياه الشرب لمواشيهم مثلما سيتم تهيئة اراضي لاقامة زراعات انتاج الحبوب والاعلاف لجذب الاستثمارات واتاحة الفرصة للمجتمعات المحلية الاستفادة منها من خلال التوظيف والمشاركة اي هذه الاستثمارات من خلال جمعياتهم التعاونية الزراعية.

كما اكد دولة الرئيس على توجيهات جلالة الملك في ادخال التقنيات الحديثة في الانتاج الزراعي حيث بادرت الحكومة في اعطاء الفرصة للقطاع الخاص الاستثمار في اربع محطات زراعية تابعة لوزارة الزراعة كي تكون نواة لاطلاق مشروع تحديث البنية التحتية لقطاع الزراعة على مستوى المزرعة.

وأختم بأن اسأل الخالق عز وجل ان يحمي هذه البلاد واهلها وقيادتها من كل الشرور ويديم عليها نعمة الامن والامان ما دامت الحياة.


تابعوا الوقائع على