حوار الحروف وخوار الدفوف !

{clean_title}
بسام الياسين
((( انتشار الفساد يدفع بعامة الشعب الى الفقر والعجز عن تامين ضروريات المعيشة،و يكون بداية شرخ بين القاعدة والقمة،ما يؤدي لانهيار الدولة....العلامة الاسطورة ابن خلدون ))).

شمس هذه الايام،تأتي عادة متأخرة وباردة.تُطل على البشر شاحبة،كمراهقة خجلى سقطت في الحب اول مرة.الشوارع الخلفية تغط في نوم ما قبل الصحو، لكن الشارع الرئيس بدأ بالتثاؤب، ثم اخذ يتمطى تمهيداً لإنطلاقة يوم جديد.عمال النظافة،اصحاب عربات الشاي،باعة الكعك ،قطط المدينة الجائعة، كلها تبحث عن اللقمة.المتسولون يأخذون مواقعهم في الزوايا.الكل يهرول على الارصفة، لسد الحاجة.ليس في حياة هؤلاء ما يثير البهجة.الفرح بقاموسهم تامين خبز العيال.

وجوه ذات ملامح غائرة ومتعبة.بعضها قاسية، كأنها مرآة ناطقة تعكس وحشية من سرق مستقبلهم.إنخطافة الخوف من مستقبل غامض جلية على جباههم المقشرة من طول جهدهم .رؤوس معفرة بالشقاء، منكوشة الشعر، يبدو انها لم تعرف الماء والصابون منذ الولادة.لحيً مرخية بحالة فوضوية كأنها تناشد منظمات العناية بالنظافة مشطاً ومقصا.ماذا جرى ويجري ؟!. من حَوّل هذه الكتلة البشرية الضخمة الى كم مهمل حتى اصبحت ناشفة كأرض بور، لم تمر من فوقها غيمة، منذ ان خلق الله الخلق ؟!.

جميعهم يعيش مأساة سيزيف الاسطورة اليونانية، حامل الصخرة . ما ان يصل القمة حتى يتدحرج للجورة.جموع شقية تتدفق باعداد لا متناهية، كسيل جارف...يُطلون من الشوارع الخلفية،يخرجون من الأقبية الرطبة،يتسللون من الجحور المتهالكة... يا الله ، ما زالوا يتقاطرون الى قاع المدينة،لعلهم يجدون رب عمل يستأجر شقاءهم ليوم واحد...العيون تزداد جحوظاً....فكلما زاد الانتظار،ازدادت تعاسة الجياع .الوجع الطبقي يتصبب من كعوب اقدامهم .الحنق يتصاعد الى رؤوسهم. طموحاتهم صغيرة مشروعة.مجرد كفاف يوم، ربطة خبز وقليل من بصل وبندورة، يحملونها للافواه الجائعة.انتصف النهار ولا احـد، وخيبة الامل تخيم على العيون الشاخصة.

دورة الحياة دبت في الشوارع،اشتد صخبها،تعالى ضجيجها.عوادم السيارات زادت ضيق الصدور ضيقاً. وجوه الموظفين هي الأخرى اكثر اكفهراراً.ربات البيوت في عجلة من امرهن...الجيوب خاوية و الجميع يحصي ما بقي لدية من بقايا فراطة.الكل يُتمتم بالشكوى. طفحت الحيرة مثل مناهل وسط البلد في عز الشتوية.ماذا يحدث ؟!. بائع الصحف الوافد، يصيح بلهجة مصرية :ـ الحكومة رفعت الاسعار...مضيفاُ بروح النكتة ...صوموا تصحوا ...لكم الله وموائد الرحمن....ارتفع منسوب التوتر عند العمال. تجاوز الخطوط الحرجة، فيما المدخنون اشعلوا سجائرهم، كأنهم نسوا انهم صائمون.

صرخ وسط الجموع عجوز عركته الايام،ذاق من ظلم اللئام الظُلاَم،ما لم يذقه بلال اوعمار ابن ياسر ،وهو يتوكأً على سبعة عقود عجاف:ـ تُباً لهذه الحياة.بدأت بخطيئة ابينا آدم .اكل التفاحة فخرج من الجنة،و اليوم خليفة الله على الارض يدخل جهنم الدنيوية ان طلب حقه في لقمة كريمة. يارب :ـ خطيئة هذه ام جريمة ؟!.وهل مدينتنا اضحت خرابة انسانية ام مقصلة للفقراء تأكل اعمارهم بلا ثمن وتدفنهم بلا كفن.الواقع المفضوح لن افضحه اكثر مما هو مفضوح،فقد رايت من افعال النخبة من القبائح لم تعرفه معاجم الفضائح .هم يعيشون في النعيم،و المساكين يدفعون الفاتورة.

ثم قال متهكماً :ـ نرجو من الرسميين المتأنقين المتوجهين بسياراتهم المكيفة الى مكاتبهم المكندشة،الكف عن التصريحات فـزبد الثعالب مصيدة المغفلين.اما النواب كفاكم طبخ حصى، فسيوفكم الحادة لا تفرم حبة بندورة و لا تصنع لجائع صحن سلطة. نسأل من يتقلبون بالنعمة.هل هناك جريمة اشد ايلاماً من ان تنام القلة منفوخة من التخمة بينما الكترة تتضور من عوز وقلة ؟!.انها رحلة مؤلمة لم تفجرها الجائحة انما الفساد،سوء الادارة،جوائز الترضية،المحسوبية والقنوة المقدودة من " سنديانة مباركة ".

تابعوا الوقائع على