ليلى والدولة

ليلى والدولة
عبدالهادي راجي المجالي
علاقتي بالدولة جيدة, أنا قليل التواصل معها.. لكنها كل يوم تتواصل معي, ترسل لي كل شهر فاتورة كهرباء وتكتب عليها عزيزي المشترك, ترسل لي فاتورة ماء.. ترسل لي أيضا رسالة على هاتفي تؤكد أني ارتكبت مخالفة سير..حتى الأخطاء تذكرني بها، ومؤخرا صارت ترسل لي رسائل عن الإعتراض على قوائم الإنتخاب والدولة مهذبة لا تخاطبني إلا بكلمة (عزيزي المواطن)..

أيضا ترسل لي رسالة كل شهر لتذكرني بتسديد المسقفات, وأحيانا تذكرني أيضا بالإستفادة من الخصوم الضريبية...الدولة حنونة، تخيلوا حتى أنها في موجة الحر الأخيرة أرسلت لي بعض الرسائل لتذكرني بعدم التعرض للشمس، وبالإكثار من شرب السوائل.

أنا بطبعي أحب الرسائل لكني لا أحب كتابتها كثيرا...أتذكر أني كتبت رسالة إلى ليلى في صباي, وكنت عاشقا مستجدا يومها...بقيت الرسالة معي أكثر من شهرين وكلما قررت إرسالها عبر وسيط تطوع بذلك، أعيد مراجعتها وأقرر إضافة سطر أو حذف جملة...لقد قلت لليلى أنها الحب الأول، وقلت لها أني حين أنام في الليل على وسادتي اخر من يمر في رأسي لحظة الوعي هو عيونها الذابلة وخصلات شعرها التي كسرت الريح...وقلت لليلى أن مريولها الأخضر وهي عائدة من المدرسة لايعتبر (مريولا) أبدا..هو مرج زهور، هو هضبة تستلقي الشمس عليها لأخذ غفوة..وأخبرتها أيضا عن مشيتها على أدراج حارتنا، وكيف كانت خصلات شعرها وهي تنزل الدرج تهتز على ايقاع الكعب...كانت كلما ذهبت (الغرة) اتجاه اليمين فاض دجلة، وإذا ذهبت (الغرة) اتجاه الشمال..توقف بردى، هل شاهدتم نهرا يتوقف عن المسير..بردى يتوقف، خوفا من عيون ليلى.

أريد من إدارة السير وأمانة عمان والهيئة المستقلة للإنتخابات..ومؤسسات الدولة أن تسمح لنا بالرد على الرسائل حين ترسلها، ربما سأكتب لهم مثلما كتبت إلى ليلى..لكن الغريب في الدولة أنها ترسل لنا الرسائل ولا تسمح لأحد بالرد...الرسائل تبرمج هكذا من دون ردود، وهل يجوز هذا الأمر في فقه العشق؟

أنا أعشق الأردن أكثر من أي شيء في الدنيا, وحين أمشي على ترابه أتريث قليلا فحتى التراب فيه يحن... أعشقه لأني كنت أرى ليلى في قرص الهاتف, ليلى كانت في وجوه الناس وفي أوراق الدولة الرسمية, ليلى كانت في (ابريز) الكهرباء..كنت أحسها التيار الذي يسري في وريدي قبل أن يسري في الأسلاك... ليلى كانت في البندقية والعقال.. وكان الهدب المنسوج على أطراف الشماغ يشبه عيونها أو هو الرموش التي تظللها...

أين ليلى؟ منذ (35) عاما وأنا أنتظر ليلى أن ترد على رسالتي... لكنها لم ترد... لقد قال لي الوسيط أنه سلمها لها باليد, قال لي أنها ابتسمت وغادرت... لكنها لم ترد علي للان..



تابعوا الوقائع على