كيف تُدار الحرب بين إيران وإسرائيل… ولماذا يبقى لبنان في قلب المعادلة؟
الوقائع الإخباري - بيروت – داني القاسم
لم يعد ممكناً قراءة التصعيد العسكري القائم في المنطقة باعتباره مواجهة تقليدية بين طرفين، بل هو تعبير عن صراع استراتيجي أوسع، تتداخل فيه الأبعاد العسكرية مع الحسابات السياسية، وتتشابك فيه الجغرافيا مع النفوذ. فالحرب الدائرة بين إيران وإسرائيل، وإن بدت في ظاهرها ضربات متبادلة، إلا أنها في جوهرها معركة على إعادة تشكيل موازين القوى في الشرق الأوسط.
تعتمد إسرائيل، في مقاربتها الحالية، على مبدأ "الضربات الاستباقية” الهادفة إلى تقويض البنية العسكرية المرتبطة بإيران، ومنع ترسّخ معادلات ردع جديدة في محيطها الإقليمي. هذه الاستراتيجية لا تستهدف فقط القدرات العسكرية، بل تسعى أيضاً إلى فرض واقع أمني جديد يُعيد تثبيت تفوّقها ويمنع خصومها من نقل المعركة إلى عمقها الداخلي.
في المقابل، لا تنخرط إيران في مواجهة مباشرة شاملة، بل تدير الصراع وفق منطق "الحرب غير المتكافئة” و”تعدد الجبهات”، حيث تُستخدم الساحات الإقليمية كأدوات ضغط استراتيجية. هذا النهج يمنح طهران هامش إنكار سياسي، ويتيح لها استنزاف خصمها دون الانزلاق إلى حرب مفتوحة قد تكون كلفتها مرتفعة وغير مضمونة النتائج.
ضمن هذه المعادلة، يبرز لبنان كأكثر الساحات حساسية وتعقيداً. فموقعه الجغرافي، وتركيبته السياسية، ووجود "حزب الله” كقوة عسكرية فاعلة، كلها عوامل تجعل منه نقطة ارتكاز أساسية في هذا الصراع. من هنا، لا يُنظر إلى الجبهة اللبنانية كجبهة ثانوية، بل كجزء لا يتجزأ من منظومة الردع المتبادل بين إيران وإسرائيل.
إلا أن خطورة الوضع في لبنان تكمن في كونه ساحة مفتوحة على احتمالات متعددة، دون أن يمتلك القدرة الكاملة على التحكم بمسارها. فالتصعيد قد يُضبط ضمن قواعد اشتباك غير معلنة، لكنه يبقى عرضة للانفلات نتيجة خطأ في التقدير أو ضربة نوعية تتجاوز السقوف المرسومة.
سياسياً، يتأثر مسار هذه الحرب بعوامل دولية لا تقل أهمية عن المعطيات الميدانية. فالولايات المتحدة والدول الأوروبية تمارس ضغوطاً متوازنة لمنع توسّع المواجهة، ليس انطلاقاً من حرص إنساني فقط، بل خوفاً من تداعيات إقليمية أوسع قد تهدد استقرار المنطقة ومصالحها الحيوية. في المقابل، تستفيد بعض القوى الدولية من استمرار هذا التوتر ضمن حدود مضبوطة، لما يوفره من أوراق تفاوضية في ملفات أخرى.
انطلاقاً من ذلك، يمكن فهم طبيعة المرحلة الحالية بوصفها "حالة لا حرب شاملة ولا سلم مستقر”، حيث يجري ضبط الإيقاع بين التصعيد والتهدئة وفق توازن دقيق للمصالح. فلا إسرائيل قادرة على حسم المعركة بشكل نهائي، ولا إيران مستعدة للتخلي عن أدوات نفوذها الإقليمية، ما يجعل الصراع مفتوحاً زمنياً، ومقيّداً في آنٍ معاً.
أما سيناريوهات المرحلة المقبلة، فتبقى محكومة بثلاثة اتجاهات رئيسية:
إما استمرار نمط الاستنزاف المتبادل، أو التوصل إلى تهدئة مرحلية تفرضها الضغوط الدولية، أو الانزلاق إلى مواجهة أوسع نتيجة تطور ميداني غير محسوب. وفي جميع الحالات، يبقى العامل الحاسم هو قدرة الأطراف على إدارة التصعيد دون فقدان السيطرة عليه.
في الخلاصة، ما تشهده المنطقة اليوم ليس حرباً عابرة، بل فصل من صراع طويل على النفوذ والحدود والأدوار.
وبين حسابات القوى الكبرى واستراتيجيات اللاعبين الإقليميين، يبقى لبنان في موقع هشّ، يتأثر أكثر مما يؤثر، ويواجه تداعيات صراع يتجاوز حدوده بكثير.








