معاناة مرضى الثلاسيميا في غزة بين نقص الدم وانهيار المنظومة الصحية
تعيش صديقة ابو جراد البالغة من العمر اثنين وثلاثين عاما واقعا مريرا داخل مجمع الشفاء الطبي في غزة، حيث تجلس على كرسيها المتحرك الذي تحول الى رفيق دائم بعد ان نال مرض الثلاسيميا والتهابات المفاصل من قدرتها على الحركة، وتواجه صديقة مع مئات المرضى رحلة علاج تزداد قسوة مع مرور الوقت في ظل ظروف الحرب الخانقة، اذ باتت رحلة البحث عن وحدة دم او جرعة دواء تمثل معركة يومية للبقاء على قيد الحياة وسط تراجع حاد في الخدمات الطبية المقدمة.
واوضحت صديقة ان الكرسي المتحرك بات يمثل شريان الحياة الوحيد لها في ظل عجزها عن الحركة، مشيرة الى انها تقضي ساعات طويلة داخل اروقة المستشفى بانتظار جلسات نقل الدم التي اصبحت غير منتظمة، وبينت ان غياب اماكن الرعاية المناسبة وعدم توفر اسرة شاغرة يزيد من معاناتها الجسدية والنفسية، واكدت ان الوضع الصحي العام في القطاع يشهد تراجعا خطيرا يهدد حياة المرضى الذين يواجهون مضاعفات صحية صعبة.
واضافت ان الازمة لا تقتصر على العلاج فحسب بل تمتد الى الفحوصات الطبية التي انقطعت عنها منذ ثلاثة اعوام، واشارت الى انها تضطر للجوء الى مراكز خاصة بتكاليف باهظة تفوق قدراتها المادية، وشددت على ان المريض في غزة اصبح يواجه عجزا حقيقيا في توفير ابسط الاحتياجات الاساسية من دواء ومواصلات وطعام.
ما هو مرض الثلاسيميا واثاره
ويعرف الثلاسيميا بانه اضطراب وراثي مزمن يصيب الدم ويستوجب من المريض الخضوع لنقل دم دوري كل اسبوعين او ثلاثة للحفاظ على مستويات الهيموغلوبين، وكشفت التقارير الطبية ان نقل الدم المتكرر يؤدي الى تراكم الحديد في الجسم مما يستلزم استخدام ادوية خاصة لطرد هذا المعدن، واظهرت المتابعات ان انقطاع هذه الادوية يسبب تلفا مباشرا في اعضاء حيوية مثل القلب والكبد والغدد الصماء.
واكد الاطباء ان تاخر نقل الدم او نقص الفلاتر الطبية يعرض المرضى لمخاطر فشل القلب وتلف الكبد وتشوهات العظام، وبينوا ان ضعف المناعة الناتج عن نقص التغذية يزيد من حدة هذه المضاعفات، واوضحوا ان المرضى يعانون من ارهاق حاد وصعوبة بالغة في ممارسة حياتهم اليومية نتيجة انخفاض نسب الدم لديهم الى مستويات حرجة.
واضاف محمد ياسين البالغ من العمر ثلاثين عاما والذي يعاني من المرض ان الوضع كارثي بكل المقاييس، واشار الى ان انعدام ادوية طرد الحديد ونقص وحدات الدم يجعل المريض في مواجهة مباشرة مع الموت، وشدد على ان وحدة الدم ليست مجرد علاج مؤقت بل هي ضرورة حتمية للبقاء في ظل الظروف الراهنة.
مصير مجهول يلاحق المرضى
وكشفت جمعية اصدقاء مرضى الثلاسيميا في غزة ان عدد المرضى المتبقين في القطاع تراجع الى مئتين وسبعة وثلاثين مريضا، واوضحت ان عشرات الحالات فارقت الحياة منذ بداية الحرب نتيجة تدهور الاوضاع الانسانية، وبين ابراهيم عبد الله منسق الجمعية ان ثمانية وثلاثين مريضا توفوا نتيجة نقص وحدات الدم وسوء التغذية الحاد.
واكد عبد الله ان ادوية طرد الحديد مفقودة بشكل شبه كامل مما يسرع من وتيرة تدهور الحالة الصحية للمرضى، واضاف ان طلبات التحويل للعلاج في الخارج تواجه بالرفض المتكرر بحجة توفر العلاج في غزة، وشدد على ان الواقع الميداني يثبت عكس ذلك تماما في ظل غياب الفحوصات الاساسية.
واوضح الدكتور محمد ابو ندى مدير مركز غزة للسرطان ان تراكم الحديد يهدد حياة المرضى بشكل قاتل، واشار الى ان الطواقم الطبية تبذل قصارى جهدها لتوفير الدم لكن الكميات المتاحة لا تكفي، واكد ان الاولوية القصوى الان هي ادخال الادوية العاجلة او السماح للمرضى بالسفر لزراعة النخاع العظمي.
رسالة استغاثة من رحم الالم
ويحل اليوم العالمي للتضامن مع مرضى الثلاسيميا ليذكر العالم بمعاناة مئات الاشخاص في غزة، واظهر الواقع ان هذا اليوم لا يحمل سوى مزيد من الالم للمرضى الذين يفتقدون ابسط حقوقهم في العلاج، واكد المرضى ان رسالتهم الوحيدة هي توفير بيئة صحية امنة وادوية منتظمة لضمان استمرار حياتهم.
واضاف ان استمرار الحصار والظروف الانسانية يضع حياة هؤلاء المرضى امام مستقبل مجهول، وشدد الاطباء على ضرورة التدخل الدولي العاجل لانقاذ ما يمكن انقاذه، وبينوا ان كل يوم يمر دون علاج يعني تدهورا اضافيا لا يمكن تعويضه في حالة المرضى.









