بين القبور والمنازل… السحر يتمدّد في بلدات عكّار.

بين القبور والمنازل… السحر يتمدّد في بلدات عكّار.
الوقائع الاخباري: بيروت – داني القاسم

لم تعد المقابر مجرّد أماكن لدفن الموتى وقراءة الفاتحة على أرواح الراحلين، بل تحوّلت في بعض بلدات وقرى عكّار، وتحت جنح الظلام، إلى مسرحٍ مرعب لطقوس السحر والشعوذة، حيث تنتشر الطلاسم الغامضة، والشموع المحترقة، والأعمال المدفونة بين القبور، في مشهدٍ صادم ينتهك حرمة الموتى ويزرع الخوف والقلق في نفوس الأهالي.

وبحسب شهادات ومشاهدات متكرّرة، فإن هذه الظاهرة لم تعد محصورة بمنطقة واحدة، بل باتت تُسجَّل في عدد من بلدات عكّار، وسط حديث متزايد عن العثور على أوراق ملوّثة بكتابات غريبة، وبقايا طقوس مبهمة، وأعمال سحر تُترك داخل المقابر أو عند مداخلها، وكأنّ المكان تحوّل إلى ساحة مفتوحة لممارسات تثير الذعر والاستفهام معاً.

ولا تقتصر هذه الممارسات على المقابر فقط، إذ تشير معلومات متداولة بين الأهالي إلى أنّ عدداً من السحرة والمشعوذين يستقبلون أشخاصاً داخل منازلهم، يقصدونهم طلباً لحلول لمشاكل شخصية أو عائلية أو مادية، في ظاهرة تُثير قلقاً متزايداً داخل المجتمع، خصوصاً مع استمرار لجوء بعض المواطنين إلى هذه الأساليب رغم التحذيرات الدينية والاجتماعية من خطورتها.

وتُعدّ بلدة ببنين العكارية نموذجاً عمّا تشهده مناطق أخرى، بعدما عُثر داخل إحدى مقابرها على مكتوبات وأوراق غامضة يُشتبه بارتباطها بأعمال سحر وشعوذة. وفي هذا السياق، قال رئيس بلدية ببنين محمود جوهر إن البلدية وضعت هذا الملف بيد دار الإفتاء في عكّار، داعياً خُطباء الجمعة إلى تكثيف التوعية حول مخاطر اللجوء إلى السحرة والمشعوذين وانعكاسات هذه الظاهرة على المجتمع والأهالي.

وأشار جوهر إلى أنّ جبانة البلدة تخضع لمراقبة دائمة عبر حارس يتابع بشكل يومي حركة الدخول والخروج، إضافة إلى وجود كاميرات مراقبة في محيط المقبرة لرصد أي تحركات مشبوهة. كما لفت إلى أنّ البلدية اشتبهت سابقاً بشخص غريب من خارج البلدة كان يقيم في أحد المنازل، فجرى الطلب من صاحب المنزل تزويد البلدية بكامل معطياته، بالتنسيق مع الأجهزة الأمنية للتحقق من هويته وخلفيته الأمنية.

وفي السياق نفسه، كشف مصدر أمني أنّ الأجهزة المختصة كانت قد أوقفت خلال الفترات السابقة امرأة تُدعى "هنادي” الملقبة بـ”أم علي”، وتُعتبر من الأسماء المعروفة في مجال السحر والشعوذة، حيث أُحيلت إلى القضاء المختص، إلى جانب أشخاص آخرين تم توقيفهم في قضايا مماثلة. وأكد المصدر أنّ هذا الملف لا يزال قيد المتابعة، وأن التحقيقات مستمرة لكشف أي شبكات أو ممارسات مرتبطة بهذه الظاهرة.

من جهته، أكد الشيخ غازي الخليل أن ظاهرة السحر والشعوذة، ولا سيما الممارسات التي تُكتشف داخل المقابر، تُشكّل خطراً دينياً واجتماعياً كبيراً، لما تحمله من اعتداء على العقيدة وحرمة الموتى، إضافة إلى ما تزرعه من خوف وقلق بين الأهالي.

وأوضح الخليل أن الإسلام حرّم السحر تحريماً قاطعاً، معتبراً أنه من الكبائر التي تقوم على الأذى والخداع ونشر الكراهية والبغضاء بين الناس، مشيراً إلى أن كل من يمارس السحر أو يلجأ إلى المشعوذين أو يصدّقهم "شريك في الإثم والمعصية”.

وشدّد على أن للمقابر حرمة عظيمة في الشريعة الإسلامية، "فكما حُرّم الاعتداء على الأحياء، حُرّم أيضاً انتهاك حرمة القبور أو تدنيسها”، معتبراً أن وضع الطلاسم وأعمال السحر داخل المقابر يُعدّ امتهاناً لكرامة الموتى وتجاوزاً خطيراً للقيم الدينية والأخلاقية.

ورأى الخليل أن انتشار هذه الظواهر يعود إلى ضعف الوعي الديني والجهل بالأحكام الشرعية، إضافة إلى استغلال بعض المشعوذين لمظاهر التدين لخداع الناس وإيهامهم بامتلاك القدرة على جلب النفع أو دفع الضر، مؤكداً أن "النافع والضار هو الله وحده”، وأن الإسلام دعا إلى التداوي المشروع بالقرآن الكريم والوسائل الطبية الصحيحة بعيداً عن الخرافات والشعوذة.

كما شدّد على ضرورة التمييز بين الرقية الشرعية الصحيحة وأعمال الدجل، موضحاً أن الرقية تكون بآيات من القرآن الكريم وأذكار ثابتة عن النبي محمد صلى الله عليه وسلم، بلغة واضحة ومفهومة، فيما يعتمد المشعوذون على الطلاسم والكلمات الغامضة والطقوس المريبة لإيهام الناس واستغلالهم.

ودعا الخليل دار الإفتاء والمساجد والعلماء إلى تكثيف التوعية الدينية بخطورة السحر والشعوذة، والعمل على فضح أساليب المشعوذين وتحذير الناس منهم، بالتوازي مع دور البلديات والقوى الأمنية في حماية المقابر وتشديد الرقابة عليها ومنع تكرار هذه الأعمال.

وختم بالتأكيد أن مواجهة هذه الظواهر تكون بالتمسك بالإيمان وقراءة القرآن والمحافظة على الصلاة والأذكار، لا بالخوف أو اللجوء إلى السحرة، مشيراً إلى أن "كيد الشيطان ضعيف”، وأن الوعي الديني الصحيح يبقى الحصن الأساسي لحماية المجتمع من هذه الممارسات الهدّامة.














    photo photo photo photo
 
جميع الحقوق محفوظة للوقائع الإخبارية © 2026
لا مانع من الاقتباس وإعادة النشر شريطة ذكر المصدر ( الوقائع الإخبارية )
تصميم و تطوير VERTEX web solutions