مستقبل الريال الايراني في ظل الاتفاق مع امريكا: هل نشهد تعافيا حقيقيا ام مجرد مسكنات؟

مستقبل الريال الايراني في ظل الاتفاق مع امريكا: هل نشهد تعافيا حقيقيا ام مجرد مسكنات؟

يثير التوصل الى اتفاق بين طهران وواشنطن تساؤلات جوهرية حول مآلات الاقتصاد الايراني ومستقبل العملة الوطنية في المدى المتوسط. يرى محللون ان الاتفاق قد يفتح نافذة لضخ دماء جديدة في شرايين السوق عبر تخفيف قيود العقوبات وتحرير الاصول المجمدة وتسهيل حركة الاموال. واضاف خبراء ان هذه الخطوة تمنح المتعاملين جرعة من الثقة قد تنعكس ايجابا على سعر الصرف لكنهم يحذرون من ان هذا التحسن قد يكون هشا ما لم يقترن باصلاحات هيكلية تعالج جذور الازمة.

وبين تقرير اقتصادي ان الاقتصاد الايراني يعاني من ضغوط مزدوجة تجمع بين ندرة العملة الصعبة بسبب العقوبات واختلالات داخلية مزمنة. واكد المختصون ان الجدل الحالي لا يتمحور حول حدوث تأثير في السوق بل حول مدى استدامة هذا التأثير وهل سيكون تغييرا جذريا ام مجرد رد فعل نفسي مؤقت يزول مع الوقت.

اول اثر في سوق الصرف

وكشف الخبير الاقتصادي بيمان مولوي ان اول انعكاس للاتفاق سيكون في سوق الصرف نتيجة تراجع حالة عدم اليقين. واوضح ان انخفاض طلب المضاربين على الدولار وعودة رؤوس الاموال الى القطاعات المنتجة يمثلان المسار الاول للتحسن. وشدد مولوي على ان قيمة الريال لا تعتمد على السياسة وحدها بل ترتبط ارتباطا وثيقا بمعدلات التضخم ونمو السيولة النقدية وانتاجية الاقتصاد.

واشار الى ان استمرار نمو السيولة بمعدلات مرتفعة وبقاء سعر الفائدة الحقيقي في النطاق السلبي سيضعان ضغوطا مستمرة على العملة الوطنية. واضاف ان التقديرات تشير الى امكانية تحسن الريال بنسبة تتراوح بين 10 و20 بالمئة في الاشهر الاولى. وبين ان هذا المكسب قد يتلاشى الى مستويات بسيطة خلال عامين اذا غابت الاصلاحات الاقتصادية الجذرية.

واكد مولوي ان الاتفاق يمثل فرصة زمنية وليس بديلا عن الانضباط النقدي واصلاح النظام المصرفي والسيطرة على عجز الموازنة. واضاف ان الاستقرار المستدام يتطلب توجيه السياسة الخارجية نحو دعم المسارات الاقتصادية الداخلية وليس الاكتفاء بالحلول السياسية الوقتية.

نفسي ام مستدام؟

وذكر المحللون ان سوق العملة يتسم بحساسية مفرطة تجاه الاخبار السياسية قبل وصول الاموال فعليا. واظهرت الدراسات ان نحو 70 بالمئة من الاثر الاولي للاتفاق يندرج ضمن النطاق النفسي بينما يمثل التحسن الحقيقي في مبيعات النفط وتدفق العملة الصعبة النسبة المتبقية. واوضح مولوي ان تحويل هذا الاثر النفسي الى واقع ملموس يتوقف كليا على اداء صانع القرار في ضبط السيولة والسيطرة على الموازنة.

وبين ان خفض المخاطر السياسية يساهم بنسبة 45 بالمئة في دعم الريال بينما تساهم مبيعات النفط بنسبة 35 بالمئة. واضاف ان تحرير الاصول يمثل نسبة 20 بالمئة من عوامل القوة المحتملة للعملة. وشدد على ان هذه العوامل مجتمعة لا يمكنها الصمود امام استمرار تمويل عجز الموازنة عبر خلق النقود.

واكد الخبير ان السوق يمتلك ذاكرة اقتصادية قوية وسيدرك سريعا ما اذا كانت المتغيرات الاساسية قد تغيرت ام ان الضغوط ستعود للظهور مجددا. واضاف ان التحدي الحقيقي يكمن في مدى قدرة الحكومة على استغلال هذه الفرصة لتحقيق استقرار طويل الامد.

الاسعار لا تعود بسهولة

واوضح الخبير الاقتصادي ايزاك سعيديان ان الانعكاس الايجابي للاتفاق على معيشة المواطنين مشروط بطريقة ادارة مرحلة ما بعد التوقيع. واضاف ان تهدئة سوق الصرف ستؤدي حتما الى ابطاء وتيرة ارتفاع الاسعار لكنها لن تعني بالضرورة عودة اسعار السلع الى مستويات ما قبل موجات التضخم. وبين ان تكاليف الانتاج قد تنخفض مع سهولة استيراد المواد الاولية مما يخفف العبء عن المنتجين والمستهلكين.

واكد سعيديان ان مشكلة التضخم في ايران ذات جذور هيكلية عميقة لا يمكن معالجتها بمجرد رفع العقوبات. واضاف ان اعتماد الموازنة على ايرادات غير مستقرة وضعف الاستثمار المنتج يظلان التحدي الاكبر امام اي نمو اقتصادي حقيقي. وبين ان تحرير الموارد المالية سيعزز قدرة الحكومة على تأمين السلع الاساسية لكنه لا يعالج الاختلالات المزمنة في الشبكة المصرفية.

واشار الى ان الخطأ الشائع هو انتظار انخفاض واسع النطاق في الاسعار وهو امر نادر الحدوث في الاقتصاديات التي شهدت تضخما كبيرا. واضاف ان الهدف الواقعي هو كبح جماح الغلاء وليس توقع تراجع الاسعار الى مستوياتها السابقة.

انخفاض التضخم لا يعني انخفاض الاسعار

وكشف سعيديان ان انخفاض معدل التضخم لا يترجم دائما الى انخفاض في المستوى العام للاسعار. واوضح ان الاسواق غالبا ما تكتفي بتباطؤ وتيرة الزيادة السعرية بدلا من التراجع الفعلي. واكد ان في افضل السيناريوهات قد يساهم الاتفاق في تعديل التوقعات التضخمية ودعم النمو الاقتصادي المحدود.

واضاف ان هذه المكاسب ستكون عرضة للضياع اذا لم تترافق مع اصلاحات هيكلية في المالية العامة والسياسات النقدية. وبين ان بيئة الاعمال تحتاج الى استقرار طويل الامد يتجاوز مجرد التهدئة السياسية. واكد ان الريال قد يحظى بفرصة لالتقاط الانفاس لكن البقاء في المنطقة الامنة يتطلب عملا مؤسسيا جادا.

اختبار ما بعد الاتفاق

واكد الخبراء ان الاتفاق يجب ان يُنظر اليه بوصفه نافذة زمنية وفرصة ذهبية وليس حلا نهائيا للمشكلات الاقتصادية. واضاف سعيديان ان الاستفادة من هذه الفرصة تتوقف على القرارات الداخلية الشجاعة. وبين ان مرحلة ما بعد الاتفاق تمثل اختبارا حقيقيا للسياسة الاقتصادية الايرانية وقدرتها على التكيف.

واضاف ان بقاء المشكلات الاساسية دون حل سيعيد الاقتصاد الى نقطة الصفر ويزيد من الضغوط على القدرة الشرائية للمواطنين. واكد ان الريال قد يتحسن بفعل تدفق العملة لكن هذا التحسن يبقى مرهونا بضبط السيولة وسعر الفائدة. واشار في الختام الى ان الاتفاق يمنح الاقتصاد استراحة قصيرة في مسار طويل من التحديات التي تتطلب خطة اصلاحية شاملة لا تكتفي بالمسكنات السياسية.

 
جميع الحقوق محفوظة للوقائع الإخبارية © 2026
لا مانع من الاقتباس وإعادة النشر شريطة ذكر المصدر ( الوقائع الإخبارية )
تصميم و تطوير VERTEX web solutions