فجوة المليارات.. كيف اصبحت تداعيات بريكست كابوسا يلاحق استقرار الحكومة البريطانية
يواجه المشهد السياسي في بريطانيا حالة من الارتباك العميق عقب استقالة حكومة كير ستارمر، وهو ما اعاد الى الواجهة تساؤلات جوهرية حول قدرة الدولة على ادارة ملفاتها المالية في ظل تراجع حاد في الايرادات العامة. وبعد مرور عقد كامل على الاستفتاء الشهير، لم يعد النقاش مقتصرا على حجم الخسائر في الناتج المحلي، بل انتقل الى قلب المعضلة المتمثلة في العجز الضريبي الذي بات يضيق الخناق على أي تحرك حكومي مستقبلي.
وكشفت التقديرات الاخيرة ان الخزانة البريطانية فقدت مبالغ طائلة من ايراداتها الضريبية نتيجة الخروج من الاتحاد الاوروبي، مما جعل الحكومات المتعاقبة تجد نفسها في مواجهة قيود خانقة تمنعها من تنفيذ اولوياتها. واظهرت تحليلات اقتصادية ان هذا الضغط المالي لم يكن طارئا، بل اصبح جزءا من البنية الهيكلية للاقتصاد البريطاني الذي يعاني من ضعف في القاعدة الضريبية ومساحة مناورة محدودة للغاية.
واضاف المحللون ان استقالة ستارمر جاءت كنتيجة مباشرة لتعقيدات الانفاق العام والقيود الصارمة على الاقتراض التي فرضتها وزيرة المالية راشيل ريفز، حيث اصبحت الالتزامات المالية اكبر من قدرة الدولة على التمويل. واكد الخبراء ان بريكست وضع عبئا طويل الاجل جعل الموازنات البريطانية رهينة لصراعات داخلية حول كيفية توزيع الموارد الشحيحة.
تكلفة الاقتصاد الاصغر
وبين مكتب مسؤولية الميزانية ان خروج بريطانيا ادى الى انكماش انتاجية الاقتصاد بنسبة تصل الى 4 في المئة، وهو رقم يستند الى متوسط دراسات دولية متعددة. واوضح ان تراجع كثافة التجارة بنحو 15 في المئة كان العامل الاكثر تأثيرا في هذا الانخفاض، مما جعل الحكومة تبني توقعاتها المالية على اساس اقتصاد اصغر حجما مما كان متوقعا.
وكشفت الارقام ان الخسارة السنوية تعادل نحو 116 مليار جنيه استرليني وفقا لتقديرات عام 2024، حيث تحقق جزء كبير من هذا الضرر بمجرد دخول اتفاق التجارة والتعاون مع الاتحاد الاوروبي حيز التنفيذ. وشدد الباحثون على ان هذه الارقام ليست مجرد توقعات نظرية، بل هي واقع ملموس انعكس في تراجع الاستثمارات وتراجع الاداء الاقتصادي العام.
واشار المعهد الوطني للبحوث الاقتصادية الى ان تقديرات الخسائر قد تكون اكبر من ذلك، حيث توقع بعض المحللين ان يصل انخفاض الناتج طويل الاجل الى ما بين 5 و8 في المئة. واكد ان الاقتصاد البريطاني بات بالفعل اضعف بكثير مما كان سيبلغه لو استمر في مساره الطبيعي داخل التكتل الاوروبي.
الايرادات الضريبية لا الناتج
وبينت الدراسات ان قدرة الحكومة على الانفاق لا تقاس بالناتج المحلي بقدر ما تقاس بحجم الايرادات الضريبية التي تدخل خزينة الدولة. واوضح جون سبرينغفورد ان انخفاض الانتاجية بنسبة 4 في المئة يعني عمليا خسارة سنوية تقارب 40 مليار جنيه استرليني، وهو مبلغ كان يمكن ان يغير وجه السياسات العامة لو توفر للاستثمار.
واضاف سبرينغفورد ان الضرائب التي تم رفعها بين عامي 2019 و2024 كانت لتكون غير ضرورية لو استمرت بريطانيا في شراكتها الاوروبية. واكد ان العجز الضريبي السنوي الذي قد يصل الى 50 مليار جنيه استرليني يمثل الفجوة الحقيقية التي تمنع الحكومة من الموازنة بين التزاماتها المالية ومتطلبات النمو.
وشدد معهد الدراسات المالية على ان سد هذه الفجوة يتطلب سنوات من التقشف القاسي، مما يعني ان الدين العام سيظل مرتفعا وسيزداد الضغط على فوائد هذا الدين. واوضح ان هذه الخسارة الضريبية تحولت الى ضغوط مالية تراكمية لا ترحم اي حكومة تحاول ادارة البلاد.
عائد تجاري لم يتحقق
وكشفت التطورات الاقتصادية ان الرهان على اتفاقيات تجارية بديلة كان اقرب الى الخيال منه الى الواقع، حيث لم تعوض هذه الاتفاقيات سوى جزء ضئيل من التجارة المفقودة. واظهر مركز الاداء الاقتصادي ان حجم المكاسب من الاتفاقيات الجديدة لا يتعدى 0.47 في المئة من الاقتصاد، وهو رقم لا يقارن بالخسائر الفادحة.
واضافت التقارير ان اتفاقيات مثل تلك الموقعة مع اليابان واستراليا لن تضيف اكثر من 0.1 في المئة الى الناتج المحلي خلال فترة طويلة تصل الى 15 عاما. واكد الخبراء ان اتفاقية الشراكة الشاملة عبر المحيط الهادئ تظل محدودة القيمة ولا يمكنها بأي حال من الاحوال سد الثغرة التي خلفها الخروج من السوق الاوروبية الموحدة.
وبينت اللجنة المستقلة للعلاقات البريطانية الاوروبية ان مكاسب التجارة العالمية الجديدة تظل ضئيلة جدا امام حجم التجارة التي خسرها البريطانيون مع جيرانهم الاوروبيين. واكدت ان هذه الحقيقة الاقتصادية هي التي جعلت الوعود السياسية التي اطلقت ابان فترة الاستفتاء تتلاشى امام الواقع المالي الصعب.
من خلافات حول الموازنة لازمة حكومية
واظهرت الازمة ان تداخل تعهدات عدم رفع الضرائب مع قواعد الانضباط المالي الصارمة جعل كل موازنة حكومية تتحول الى معادلة مستحيلة الحل. واكد المحللون ان الضغوط التي تمارسها الاسواق المالية تجاه اي توسع غير ممول قد ساهمت في تعميق الازمة السياسية التي ادت في النهاية الى سقوط الحكومة.
واضاف المراقبون ان استقالة يونيو 2026 لم تكن وليدة الصدفة، بل كانت تتويجا لفشل ذريع في ادارة الفجوة المالية التي خلفتها سنوات من التخبط. واوضح ان الخلافات السياسية التي شهدتها البلاد لم تكن مجرد صراعات ايديولوجية، بل كانت انعكاسا مباشرا لضغوط مالية لم تعد الحكومات قادرة على احتواء تداعياتها.
وشدد الخبراء على ان استمرار هذه القيود يعني ان اي رئيس وزراء قادم سيواجه المصير نفسه، حيث لا توجد مساحة للمناورة في ظل عجز ضريبي هيكلي. واكد ان بريكست لم يكن مجرد قرار سياسي، بل اصبح قيدا ماليا يحدد سقف الطموحات والقدرات للدولة البريطانية.
بريكست ليس العامل الوحيد
وبين التقرير ان تحميل بريكست المسؤولية الكاملة عن كل مشاكل بريطانيا يعد نوعا من التبسيط المخل بالواقع، رغم انه العامل الاكثر تأثيرا. واوضح ان الاقتصاد البريطاني لا يزال يعاني من تبعات الازمة المالية العالمية لعام 2008، اضافة الى اثار جائحة كورونا وازمة الطاقة العالمية.
واضاف ان تحديد الاثر الدقيق لبريكست يتطلب مقارنات معقدة مع دول اخرى لم تغادر الاتحاد، وهو ما قام به الباحثون للوصول الى نتائج تقريبية. واكد ان المنهجيات المتبعة، رغم اختلافها، تجمع على ان الضرر الاقتصادي اصبح واقعا معاشا لا يمكن انكاره او القفز فوقه.
وشدد الباحثون على ان الوصول الى هذه النتائج يعزز القناعة بأن بريطانيا تعيش تحديا هيكليا يتجاوز بكثير دورة حكومية واحدة. واوضح ان هذا التحدي يحتاج الى رؤية اقتصادية شاملة تتجاوز الشعارات السياسية للتعامل مع واقع ما بعد الخروج.
تقديرات محل خلاف
وكشفت النقاشات الاقتصادية ان هناك تباينا في وجهات النظر حول دقة التقديرات المتعلقة بخسائر بريكست. واوضح جوليان جيسوب ان بعض الارقام تستند الى ادلة ضعيفة، مشيرا الى ان الاداء التجاري كان افضل مما توقعته النماذج المتشائمة في السابق.
واضاف ان هناك امكانية لتحقيق مكاسب من خلال تخفيف القيود التنظيمية وتعديل سياسات الهجرة، وهي عوامل لم تحتسبها الدراسات القديمة. واكد ان التقديرات التي تشير الى انخفاض الانتاجية بنسبة 4 في المئة تظل محل جدل واسع بين الاقتصاديين في لندن.
وبين التقرير في المقابل ان دراسات حديثة اكدت ان الاضرار قد ظهرت بالفعل في بيانات الاستثمار والتجارة الفعلية. واكد ان حتى الحد الادنى من التقديرات يكفي لخلق ازمة مالية مستمرة، مما يضعف قدرة الحكومة على دعم الاقتصاد وتوفير الخدمات العامة.
عبء دائم على المالية
واكد التحليل النهائي ان بريكست اصبح عبئا هيكليا دائما على المالية العامة في بريطانيا. واوضح ان الخسارة لم تظهر في ضربة واحدة، بل في تراجع تدريجي ومستمر في قوة الاقتصاد وقدرة الخزانة على التمويل.
واضاف ان ضعف الايرادات وارتفاع تكلفة خدمة الدين سيظلان يلاحقان اي حكومة مقبلة، مما يجعل التحدي المالي هو القضية الاولى في البلاد. وشدد على ان العقد الذي تلا الاستفتاء اثبت ان الفجوة المالية هي المحرك الرئيسي للازمات السياسية التي تعصف باستقرار بريطانيا.









