كارثة وراثية صامتة تضرب ثروة السودان الحيوانية بعد ضياع عقود من التطوير
كشفت تداعيات الصراع الدائر في السودان عن خسارة فادحة ضربت قطاع الثروة الحيوانية، حيث فقدت البلاد مئات الآلاف من الأبقار الهجين المحسنة وراثيا التي استغرق تطويرها قرابة نصف قرن من الزمان. وادت العمليات العسكرية المستمرة إلى تدمير بنية تحتية إنتاجية متكاملة، مما جعل تعويض هذا الإرث الوراثي أمرا بالغ الصعوبة في ظل الظروف الراهنة. واظهرت التقديرات الميدانية ان ولاية الخرطوم وحدها خسرت نحو 320 ألف رأس من الأبقار، بينما سجلت ولاية الجزيرة فقدان 100 ألف رأس أخرى نتيجة النهب وانعدام الرعاية البيطرية. واكد خبراء أن هذه الخسارة لا تقتصر على القيمة السوقية للماشية، بل تتجاوزها إلى ضياع أصول وراثية تأقلمت مع البيئة المحلية طوال عقود طويلة من برامج التلقيح الاصطناعي.
تحديات استعادة السلالات المفقودة
وبين وكيل وزارة الثروة الحيوانية عمار الشيخ إدريس، أن معظم المربين تكبدوا خسائر مالية فادحة بعد تعرض قطعانهم للسرقة، مشيرا إلى أن الوزارة بدأت في وضع خطط طموحة لإعادة بناء القطيع بالتنسيق مع الجامعات ومراكز البحوث. واضاف أن الماعز المحسنة وراثيا لم تكن بمنأى عن عمليات النهب، مما فاقم من حجم الأزمة الإنتاجية التي تعاني منها البلاد حاليا. واوضح أن القطاع يواجه تحديات كبيرة في توفير الأعلاف وضمان استمرارية الخدمات البيطرية في المناطق التي تأثرت بالمعارك.
واشار أستاذ الطب البيطري فيصل عمر الزبير، إلى أن استعادة ما تم فقدانه من أبقار هجين عالية الإنتاجية يتطلب سنوات طويلة من العمل الدؤوب وإمكانات مالية ضخمة. وشدد على أن السلالات التي ضاعت كانت تتمتع بمناعة طبيعية وقدرة عالية على التأقلم، مما يجعل استبدالها عبر الاستيراد خيارا مكلفا ومعقدا تقنيا. واكد أن توقف برامج التحسين الوراثي وتدمير مراكز التلقيح الاصطناعي، وفي مقدمتها المركز السوداني التركي، وجه ضربة قاضية لمستقبل تطوير الثروة الحيوانية في السودان.
آثار الحرب على قطاع الألبان والصادرات
وكشف رئيس غرفة الألبان محمدين العوض، أن مزارع الإنتاج تحولت إلى أطلال بعد نهب المعدات الحيوية مثل مولدات الكهرباء وخزانات المياه، مما تسبب في توقف شبه كامل لقطاع الألبان. واضاف أن هذه الأوضاع أدت إلى ارتفاع معدلات البطالة بين الشباب الذين كانوا يعملون في هذه المنشآت الحيوية. وبين أن المربين الذين حاولوا نقل قطعانهم إلى مناطق آمنة واجهوا صعوبات في تأمين الغذاء، مما اضطر بعضهم لذبح أعداد كبيرة من الماشية لتفادي نفوقها.
واظهرت بيانات وزارة الثروة الحيوانية، أن الصادرات من اللحوم والجلود تراجعت بشكل حاد نتيجة تدمير المسالخ وفقدان القدرة على استيفاء الاشتراطات الفنية الدولية. واكد الوكيل أن الوزارة تعتزم تنفيذ مشاريع كبرى تتضمن إنشاء مدن متكاملة للإنتاج الحيواني بتكلفة مليار دولار للمدينة الواحدة، في محاولة لتعويض النقص الحاد في الإمدادات. واوضح أن هناك توجها رسميا لزيادة الصادرات عبر تأهيل المسالخ القائمة وافتتاح أخرى جديدة، رغم استمرار تحديات تهريب الثروة الحيوانية عبر الحدود وتأثر الإمدادات القادمة من إقليمي كردفان ودارفور.









