صراع المناصب في ليبيا يضع جهاز المخابرات تحت مجهر التجاذبات السياسية

صراع المناصب في ليبيا يضع جهاز المخابرات تحت مجهر التجاذبات السياسية

تتصاعد حدة التوترات السياسية في ليبيا بشكل لافت بعد ان طالت التغييرات الاخيرة قيادة جهاز المخابرات العامة، وهو ما حول هذا المرفق السيادي الحساس الى ساحة جديدة للتجاذبات بين مراكز القوى المتصارعة في البلاد. واصبحت خطوة اقالة الرئيس السابق للجهاز وتكليف شخصيات جديدة بمثابة شرارة اشعلت فتيل الخلافات المؤسسية، وسط تساؤلات حول مدى قدرة هذه الاجهزة على الحفاظ على استقلاليتها بعيدا عن الاستقطاب السياسي الحاد.

واوضحت التحركات الاخيرة التي قادها رئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي باعفاء حسين العايب وتعيين عبد المجيد مليقطة، حالة من الانقسام الواضح داخل هرم السلطة، حيث قوبلت هذه الخطوة برفض صريح من اطراف فاعلة مثل عقيلة صالح وموسى الكوني. وبينت هذه المواقف ان التعيينات التي تفتقر الى التوافق الوطني تهدد بشكل مباشر تماسك المؤسسات الامنية التي يفترض ان تظل بعيدة عن دائرة الصراع على النفوذ.

واكد مراقبون ان جهاز المخابرات الليبي، الذي لطالما وصف بكونه من اقوى الاجهزة الامنية في القارة الافريقية، بات الان تحت مقصلة التجاذبات التي تعصف بالدولة. واضاف عصام الجهاني عضو مجلس النواب ان التعامل مع هذا الجهاز بات يتم بمنظور يربطه باجندات خارجية، مشددا على ان القرارات المنفردة التي صدرت دون توافق داخل المجلس الرئاسي تفتقد للشرعية القانونية وتخالف الاتفاقات السياسية المعمول بها.

انقسام مؤسسي حول شرعية التغييرات

وكشفت التطورات الميدانية عن فجوة كبيرة في المواقف، فبينما يرفض طرف في المجلس الرئاسي التعامل مع القيادة الجديدة، سارعت حكومة الوحدة الوطنية والمجلس الاعلى للدولة الى احتضان التعيينات الجديدة وتجاهل الاعتراضات القائمة. واضاف محمد تكالة رئيس المجلس الاعلى للدولة انه اجرى مباحثات مع مليقطة حول ملفات الامن القومي، مشددا على ضرورة تعزيز التنسيق بين مؤسسات الدولة لضمان الاستقرار.

واظهرت السيرة الذاتية لعبد المجيد مليقطة، وهو رجل اعمال بارز من مدينة الزنتان، ارتباطا وثيقا بدوائر القرار في حكومة الوحدة، خاصة بعد دوره في الحوار السياسي السابق. واثار تداول صور قديمة تجمعه بمسؤولين اجانب جدلا واسعا في الاوساط الليبية، حيث ربط نشطاء بين هذه الصور وبين مسارات سياسية سابقة اثارت غضب الشارع الليبي، مما زاد من حدة الانتقادات الموجهة لقرار تعيينه.

وبين الصادق الغرياني مفتي ليبيا وجهة نظره حول هذه الازمة، منتقدا غياب المعايير المهنية في اختيار القيادات الامنية منذ سنوات، ومتسائلا عن جدوى تولي شخصيات مدنية لمناصب تتطلب خبرات تراكمية وتدرجا وظيفيا دقيقا. واشار الى ان هذه التعيينات قد لا تصب في مصلحة الامن القومي للبلاد في ظل غياب الاحترافية المطلوبة في ادارة المخابرات.

تحذيرات من تداعيات المساس بالاجهزة السيادية

واعلن ضباط ومنتسبو الجهاز في المنطقتين الشرقية والجنوبية رفضهم التام لقرارات المنفي، معتبرين اياها مخالفة صريحة للتشريعات النافذة التي تنظم هذه المناصب السيادية. واكد هؤلاء الضباط في بيان لهم ان المرحلة الراهنة تتطلب توافقا وطنيا شاملا بدلا من القرارات الاحادية التي قد تؤدي الى مزيد من الانقسام في المؤسسات العسكرية والامنية.

وحذر عقيلة صالح رئيس مجلس النواب من خطورة هذه التوجهات، مشيرا الى ان محاولة خلط الاوراق في هذا التوقيت الحساس لا تخدم سوى خلق ازمات جديدة تعمق حالة التشظي. واضاف صالح في رسائل وجهها لشركاء ليبيا الدوليين ان الجهاز واجه طوال الفترة الماضية تحديات امنية جسيمة، مؤكدا ان المساس بقيادته دون سند قانوني يعد مخاطرة غير محسوبة العواقب.

واوضحت الاحداث الاخيرة ان ملف المخابرات سيبقى عالقا في عنق الزجاجة، طالما استمر الصراع على الصلاحيات وفرض النفوذ بين الاطراف الليبية. وشدد خبراء في الشأن السياسي على ان استقرار البلاد مرهون بتحييد الاجهزة الامنية عن الصراعات الحزبية والجهوية، لضمان اداء دورها في حماية الدولة من التهديدات المتزايدة التي تحيط بها.

 
جميع الحقوق محفوظة للوقائع الإخبارية © 2026
لا مانع من الاقتباس وإعادة النشر شريطة ذكر المصدر ( الوقائع الإخبارية )
تصميم و تطوير VERTEX web solutions