خارطة النفوذ في ليبيا: كيف تفرض المدن كلمتها على القرار السياسي
لم يعد المشهد السياسي في ليبيا رهينا للمؤسسات الرسمية او الاتفاقات الدولية التي تبرم في العواصم البعيدة، اذ تحولت مدن بعينها الى مراكز ثقل تملك الكلمة الفصل في صناعة القرار وتوجيه بوصلة الدولة. وتستمد هذه المدن نفوذها من مزيج معقد يجمع بين الترسانة العسكرية الضخمة والتغلغل العميق لشخصياتها النافذة في مفاصل الحكم، مما جعل الولاءات المناطقية تتفوق في كثير من الاحيان على الهوية الوطنية الجامعة في ظل استمرار حالة الانقسام المؤسسي.
واوضحت المعطيات الراهنة ان مدنا مثل مصراتة وطرابلس وبنغازي والزاوية والزنتان تحولت الى لاعبين اساسيين يملكون حق الفيتو تجاه اي تفاهمات سياسية او استحقاقات انتخابية مؤجلة. واكد مراقبون ان هذه المدن اصبحت تشكل مراكز قوى موازية تفرض شروطها على الحكومات المتعاقبة، مما يجعل اي مسار للتوحيد الوطني يصطدم بواقع التوازنات المحلية التي ترفض التنازل عن مكتسباتها السياسية والامنية.
وكشفت التحليلات ان مدينة مصراتة تتصدر هذا المشهد بقوة نظرا لثقلها السكاني والاقتصادي ودورها المحوري في الخريطة السياسية بعد تغييرات عام 2011. واضافت ان نفوذ مصراتة يتجلى بوضوح في سيطرتها على منافذ حيوية كالميناء والمطار والمنطقة الحرة، اضافة الى تغلغل عائلة الدبيبة في هرم السلطة التنفيذية، مما جعل المدينة تبدو في نظر البعض كدولة قائمة بذاتها تتحكم في مسارات التفاوض وتحدد اولويات الحكومة.
محاور النفوذ في الغرب والشرق الليبي
وبينت المتابعات ان مدينة الزاوية تشكل عقبة استراتيجية لا يمكن تجاوزها نظرا لموقعها الجغرافي على الطريق الساحلي وتحكمها في عصب الطاقة عبر مصفاة النفط الكبرى. وشدد محللون على ان الزاوية تستغل موقعها لفرض ضغوط سياسية دائمة، حيث تمنحها السيطرة على خطوط الامداد البري ورقة ضغط قوية تجعلها شريكا لا غنى عنه في معادلة استقرار العاصمة طرابلس.
واظهرت التطورات في الشرق الليبي ان بنغازي لا تزال تحتفظ بمكانتها كعاصمة سياسية لبرقة ومركز ثقل للقيادة العامة للجيش. واكدت التقارير ان وجود مجلس النواب والحكومة المكلفة في محيطها يمنح بنغازي قدرة مطلقة على تعطيل او تمرير اي تسوية سياسية، مما يجعلها طرفا الزاميا في اي مفاوضات تتعلق بتوحيد المؤسسات السيادية او رسم خارطة التحالفات الاقليمية.
واضافت ان مدينة الزنتان عادت بقوة الى واجهة الاحداث بفضل وزنها العسكري واللوجستي، خاصة مع وجود شخصيات نافذة في اجهزة حساسة مثل المخابرات والمناطق العسكرية. واوضحت ان الزنتان تحتفظ برمزية خاصة في الذاكرة السياسية، مما يجعلها عنصرا فاعلا في التوازنات التي تحكم المشهد الليبي، حيث تتقاطع المصالح المحلية مع الطموحات السياسية في شبكة معقدة تعيد صياغة مفهوم الدولة والقرار الوطني.









