هندسة العبور نحو العالمية.. كيف وضع الامير الوالد حجر اساس الاقتصاد القطري الحديث
شكلت مرحلة حكم الامير الوالد الشيخ حمد بن خليفة ال ثاني منعطفا تاريخيا في مسيرة دولة قطر، اذ لم تكن مجرد سنوات من تدفق عوائد الطاقة، بل كانت عملية اعادة هيكلة شاملة للنموذج الاقتصادي للدولة. واظهرت تلك الفترة رؤية استراتيجية نقلت البلاد من الاعتماد الكلي على النفط الى التحول نحو الاستثمار المدروس وتطوير الاصول الوطنية. واكد خبراء الاقتصاد ان هذا النهج ساهم في خلق قاعدة صلبة مكنت قطر من فرض حضورها كلاعب مؤثر في اسواق المال والطاقة العالمية.
وبينت الوقائع ان مسيرة التحول بدات مبكرا مع تولي الشيخ حمد رئاسة المجلس الاعلى للتخطيط في اواخر ثمانينيات القرن الماضي، حيث وضع الخطط الاولى لبرامج التنمية الشاملة. واضافت المعطيات التاريخية ان توليه الحكم في منتصف التسعينيات كان بمثابة اشارة الانطلاق لتنفيذ هذه الرؤى على ارض الواقع. وشددت التحليلات على ان هذا المسار لم يكن وليد الصدفة بل نتيجة تخطيط استباقي استهدف بناء دولة عصرية قائمة على المؤسسات.
واشار مراقبون الى ان رحيل الشيخ حمد بن خليفة ال ثاني اليوم يجدد الاهتمام بالارث الاقتصادي الضخم الذي تركه خلفه. واوضح المتابعون ان هذا الارث يتجاوز الارقام والميزانيات ليصل الى ترسيخ ثقافة الاستثمار طويل الاجل. واكدوا ان قطر اليوم تجني ثمار تلك السياسات التي حولتها من اقتصاد خليجي محدود الى مركز ثقل عالمي.
الغاز.. الثروة التي غيرت وجه الاقتصاد
وتصدر تطوير حقل الشمال قائمة الاولويات التي غيرت وجه قطر الاقتصادي، اذ تم تسريع العمليات لاستغلال اكبر حقل للغاز الطبيعي في العالم. وكشفت البيانات ان الانتقال من مجرد منتج للنفط الى اكبر مصدر للغاز الطبيعي المسال في العالم لم يستغرق سوى عقد ونصف. واضافت التقارير ان هذه الطفرة رسخت مكانة الدوحة كشريك استراتيجي في امن الطاقة العالمي، وخاصة لدول اسيا واوروبا.
واظهرت ارقام الديوان الاميري قفزة هائلة في القيمة المضافة لقطاع الهيدروكربونات التي ارتفعت من مليارات محدودة الى مئات المليارات خلال سنوات الحكم. وبينت الاحصائيات ان القطاع اصبح المحرك الرئيس لكل مشاريع التنمية الوطنية. واكدت المؤشرات ان الناتج المحلي للفرد شهد نموا قياسيا يعكس نجاح سياسات ادارة الموارد الطبيعية.
واشار البنك الدولي في تقاريره الى ان الاقتصاد القطري حقق نموا غير مسبوق تجاوز في بعض مراحله ٢٤ ضعفا. واضاف صندوق النقد الدولي ان معدلات النمو الحقيقي سجلت ارقاما هي الاعلى على مستوى العالم خلال تلك الحقبة. وبينت هذه الارقام ان قطر نجحت في تحويل مواردها الطبيعية الى طاقة انتاجية مستدامة.
من طفرة الغاز الى تصدير رأس المال
وبدا التوجه نحو تنويع مصادر الدخل واضحا من خلال انشاء المجلس الاعلى للشؤون الاقتصادية والاستثمار في بداية الالفية. واضافت الدولة ادوات جديدة لادارة الفوائض المالية عبر تاسيس جهاز قطر للاستثمار في عام ٢٠٠٥. واوضح المحللون ان هذه الخطوة كانت ذكية لاستغلال السيولة في شراء اصول عالمية استراتيجية.
وكشفت الاستثمارات الخارجية للجهاز عن رؤية بعيدة المدى، حيث تم الاستحواذ على حصص في شركات عملاقة واصول عقارية شهيرة في عواصم العالم. واكد الخبراء ان استغلال الازمة المالية العالمية في ٢٠٠٨ كان قرارا جريئا عزز من محفظة قطر الاستثمارية. واضافت السياسة الاستثمارية ابعادا جديدة عبر التوسع في قطاعات الرياضة والعقارات والتكنولوجيا.
وارتفعت قيمة اصول جهاز قطر للاستثمار لتصبح اليوم من بين الاضخم عالميا، وفقا لمعهد صناديق الثروة السيادية. وبينت هذه الاستثمارات ان قطر لم تكتفِ بتصدير الغاز، بل اصبحت مصدرا لرأس المال العالمي. واكد المراقبون ان هذا التنوع الاستثماري يمثل صمام امان للاجيال القادمة.
الاستثمار في الانسان والبنية التحتية
وتوازي مع النجاح الاقتصادي اهتمام كبير بالاستثمار في الانسان عبر انشاء مؤسسة قطر للتربية والعلوم وتنمية المجتمع. واضافت هذه المؤسسة قيمة نوعية عبر استقطاب جامعات عالمية مرموقة لتدريب الكوادر الوطنية. واوضح الخبراء ان هذا التوجه كان يهدف لبناء اقتصاد معرفي لا يعتمد فقط على الموارد الناضبة.
وشهد قطاع البنية التحتية نهضة كبرى شملت بناء مطار وميناء عالميين وشبكات طرق متطورة. واكدت الخطط التنموية ان هذه المشاريع كانت الركيزة الاساسية للفوز باستضافة كأس العالم ٢٠٢٢. واضافت هذه الانجازات بريقا خاصا لاسم الدوحة كوجهة عالمية للمؤتمرات والاعمال.
واطلقت الدولة رؤية ٢٠٣٠ لتكون خارطة طريق لمستقبل مستدام يتجاوز عصر النفط والغاز. واكد المسؤولون ان هذه الرؤية ما زالت تمثل الدستور الاقتصادي للبلاد. واضافوا ان الامير تميم بن حمد يواصل مسيرة البناء على ذات الاسس القوية التي وضعها والده.









