سباق مع الزمن لانقاذ تاريخ غزة من الضياع تحت ركام الحرب
وسط خيام النزوح في جنوب قطاع غزة تعمل اياد شابة بدقة متناهية لتنظيف قطع فسيفساء نادرة من غبار الحرب والدمار. في مشهد يجسد اصرار الفلسطينيين على حماية هويتهم الثقافية من المحو وسط ظروف قاسية فرضتها العمليات العسكرية المستمرة التي طالت مئات المواقع التاريخية والاثرية التي تعود لالاف السنين.
وكشفت تقارير دولية عن تضرر اكثر من 160 موقعا ثقافيا وتاريخيا في القطاع نتيجة القصف المتواصل. واظهرت المعطيات ان الغارات لم تكتف بهدم المباني السكنية بل طالت ارثا حضاريا تراكم عبر حقب زمنية مختلفة بدءا من العصور الرومانية والبيزنطية وصولا الى العهد العثماني.
واكد الفنان محمد ابو لحية وهو احد القائمين على مبادرات الحماية ان الحرب تسببت في فقدان لوحات فنية وقطع اثرية لا تعوض. واضاف ان العمل التطوعي يهدف الى احياء الفن وتذكير الاجيال الناشئة بجذورهم التاريخية كرسالة صمود للعالم اجمع بان الشعب الفلسطيني متمسك بتراثه رغم كل محاولات التدمير.
مبادرات شعبية لحماية الارث الحضاري
وبين المتطوعون انهم يواجهون تحديات لوجستية كبيرة في ظل منع دخول ادوات الترميم المتخصصة الى غزة. واشاروا الى انهم يستخدمون ادوات بسيطة مثل فرش الطلاء العادية وكاميرات تصوير بدائية لتوثيق القطع والوثائق التاريخية قبل تعرضها للتلف الكامل تحت الانقاض.
واوضح مهند ابو لحية المرشد الثقافي ان الجمعيات الاهلية تعمل على جمع ما تبقى من قطع اثرية وحفظها في حاويات بلاستيكية داخل خيام خانيونس. وشدد على اهمية هذه القطع التي يمتد عمر بعضها الى خمسة الاف عام مثل احجار طحن الحبوب القديمة التي تروي قصة الانسان الفلسطيني على هذه الارض.
وكشفت المتطوعة تغريد حجازي عن جهود مكثفة لحفظ ارشيف ورقي وخرائط تعود لفترات الانتداب البريطاني والادارة المصرية. وقالت ان العمل يتركز الان على رقمنة هذه الوثائق لحمايتها من الضياع بعد ان اصبح جزء كبير من المواقع الاثرية في مناطق يصعب الوصول اليها بسبب العمليات العسكرية.
تحديات ميدانية امام حماية الاثار
واضاف المتطوعون ان قسما كبيرا من الكنوز التاريخية يقع الان خلف الخطوط العسكرية الفاصلة. واوضحوا انهم يواجهون خطرا محدقا اثناء محاولات الوصول الى هذه المناطق التي تسيطر عليها القوات الاسرائيلية بشكل كامل مما يجعل مصير العديد من المواقع الاثرية مجهولا حتى اللحظة.
وتابعت حجازي ان الامل لا يزال معقودا على انقاذ ما يمكن الوصول اليه. واكدت ان الفريق مستمر في عمله اليومي رغم قسوة الظروف والمعاناة الانسانية لان الحفاظ على التراث هو جزء لا يتجزأ من معركة البقاء والحفاظ على الهوية الوطنية الفلسطينية من الاندثار.
وبينت المؤشرات الميدانية ان اكثر من 90 في المئة من مباني القطاع تضررت بشكل جزئي او كلي. واظهرت هذه الحصيلة حجم الكارثة التي تهدد النسيج العمراني والتاريخي لغزة مما يستدعي تدخلا عاجلا لحماية ما تبقى من ارث انساني يخص البشرية جمعاء.









