رحلة العذاب اليومي.. كيف تلتهم ازمة المواصلات ميزانية الاسر في الخرطوم
يواجه سكان العاصمة السودانية الخرطوم تحديات معيشية قاسية تتجاوز مجرد التنقل اليومي لتصل الى صراع حقيقي من اجل البقاء في ظل ظروف اقتصادية بالغة التعقيد. واظهرت المعطيات الحالية ان الوصول الى وجهات العمل او المؤسسات التعليمية والمرافق الصحية تحول الى اختبار يومي مرهق يضع المواطنين امام خيارات صعبة بين دفع اجرة الحافلات او توفير الاحتياجات الاساسية من غذاء ودواء. واكد مراقبون ان تراجع القدرة الشرائية واتساع رقعة البطالة فاقما من حدة الازمة التي باتت تنهك كاهل الاسر بشكل غير مسبوق.
وكشفت تقارير ميدانية ان عودة النازحين الى العاصمة بالتزامن مع محدودية الخدمات ونقص المركبات العاملة اديا الى اختلال كبير في معادلة العرض والطلب. واوضحت المعطيات ان ارتفاع اسعار الوقود وقطع الغيار وتكاليف التشغيل انعكس بشكل مباشر على تعريفة المواصلات التي تشهد زيادات مستمرة ترهق المواطن البسيط. وبينت الاحصاءات ان الفجوة بين تكلفة استيراد الوقود وعائدات الصادرات تعمق الازمة الاقتصادية وتلقي بظلالها القاتمة على قطاع النقل العام.
واضاف العديد من المواطنين ان المعاناة تبدأ من مواقف الحافلات حيث فترات الانتظار الطويلة ونقص المركبات في بعض الخطوط الحيوية. واوضح ركاب ان الدمار الذي طال البنية التحتية واغلاق بعض الطرق اضطرهما لاستخدام اكثر من وسيلة مواصلات للوصول الى وجهاتهم مما ضاعف التكلفة اليومية بشكل كبير. وشدد المتضررون على ان هذه الظروف اجبرت الكثيرين على قطع مسافات طويلة سيرا على الاقدام لتوفير مبالغ التنقل.
واقع مرير وتكاليف باهظة
وتحدث سائقو الحافلات عن تدهور اوضاعهم المعيشية حيث تآكلت مداخيلهم بسبب ارتفاع اسعار الزيوت والاطارات ورسوم الترخيص. واكد احد السائقين ان دخله اليومي بالكاد يغطي نفقات التشغيل البسيطة ولا يتيح له التفكير في صيانة مركبته او حتى تجديد رخصة القيادة. واضاف ان الكثير من العاملين في هذا القطاع يعانون من تراجع حاد في الارباح في وقت تواصل فيه اسعار مدخلات التشغيل الارتفاع دون توقف.
وكشفت شهادات ميدانية لعمال وموظفين ان تكلفة المواصلات اصبحت تستنزف جزءا كبيرا من الدخل اليومي المحدود. واوضح عامل يعيل اطفالا ان دخله لا يكفي لتغطية نفقات الاسرة بعد دفع اجرة النقل التي تلتهم الجزء الاكبر من راتبه. واشار موظفون الى انهم يضطرون للمشي لمسافات طويلة لتقليل النفقات رغم الارهاق الجسدي الكبير الذي يسببه ذلك.
وبين طلاب جامعيون ان الازمة تسببت في تأخرهم عن المحاضرات او تغيبهم التام عن الدراسة بسبب عجزهم عن توفير الاجرة اليومية. واكد عضو في نقابة الحافلات ان تعريفة الخطوط القصيرة والطويلة شهدت زيادات كبيرة نتيجة للظروف الاقتصادية الراهنة. واوضح ان خفض اسعار الوقود يعتبر الحل الوحيد لتقليل تكلفة التشغيل وتخفيف العبء المادي عن كاهل الركاب والسائقين على حد سواء.
تداعيات اقتصادية شاملة
واكد خبراء اقتصاديون ان ازمة المواصلات لا تقتصر على نقل الركاب فحسب بل تمتد لتشمل حركة نقل البضائع والسلع الاساسية. واوضح خبير اقتصادي ان ارتفاع سعر الوقود ادى الى زيادة تكلفة ترحيل السلع من الموانئ ومناطق الانتاج الى الاسواق المركزية. وبين ان هذا الارتفاع ينعكس في نهاية المطاف على اسعار السلع والخدمات التي يشتريها المواطن مما يزيد من الضغوط المعيشية.
واضاف المراقبون ان الخرطوم التي تشهد حركية مستمرة في عودة السكان تواجه تحديا حقيقيا في استعادة منظومة النقل العام. واوضحت المعطيات ان كل زيادة في التعريفة تعني تقليصا في سلة غذاء الاسرة او تأجيلا لعلاج مريض. وشدد السكان على ضرورة تدخل الجهات المعنية لوضع حلول جذرية تنهي معاناتهم اليومية وتجعل من التنقل خدمة متاحة للجميع بدلا من ان تكون عبئا يهدد استقرارهم المعيشي.









