لغز النجاة من السرطان رغم التدخين: الجينات تكشف سر التفاوت بين البشر
أظهرت دراسة علمية حديثة أن الاختلافات الجينية الموروثة تلعب دورا محوريا في تحديد مصير الخلايا عند التعرض لعوامل الخطر البيئية، موضحة أن هذه الخلفية الوراثية قد تكون السبب وراء نجاة بعض المدخنين من الإصابة بالسرطان بينما تظهر الأورام لدى آخرين رغم تعرضهم لنفس الظروف. وكشفت النتائج التي نشرت في دورية نيتشر أن الجينات لا تكتفي بزيادة احتمالات الإصابة فحسب، بل توجه أيضا المسارات البيولوجية التي يسلكها الورم وطبيعة الطفرات التي تتراكم بداخله.
وأضاف الباحثون أن هذه الدراسة التي اعتمدت على فحص سلالات متنوعة من الفئران، أظهرت أن الأورام حتى وإن بدت متشابهة في مراحلها المتقدمة، فإنها قد تنشأ من خلال مسارات جزيئية مختلفة تماما، مبينة أن التركيب الجيني لكل كائن حي يعمل كخارطة طريق تحدد كيفية استجابة الجسم للتلف الذي تسببه المواد الكيميائية المسرطنة.
وأكد العلماء أن هذه النتائج تفتح آفاقا جديدة في فهم تعقيدات المرض، حيث لم يعد السرطان مجرد نتيجة مباشرة للتعرض لعامل خارجي، بل هو تفاعل معقد بين البيئة والجينات التي ترسم ملامح تطور المرض في كل فرد بشكل فريد.
فك رموز المسارات الجينية للاورام
وبين الفريق البحثي الذي ضم خبراء من جامعات مرموقة مثل كامبريدج وإدنبرة، أن تحليل نحو 600 ورم مختلف أظهر أن الطفرات التي تقود المرض تختلف باختلاف الخلفية الجينية، موضحا أن هذه الاكتشافات قد تغير مستقبل الطب الوقائي.
وأشار البروفيسور دنكان أودوم، أحد قادة الدراسة، إلى أن القدرة على تحديد كيفية تأثير الجينات في مسارات الأورام تعد خطوة أولى نحو التنبؤ بكيفية استجابة المرضى للعلاجات، كاشفا أن المعرفة بالخصائص الوراثية ستسمح مستقبلا بتصميم استراتيجيات علاجية أكثر دقة بدلا من اعتماد نهج موحد للجميع.
وشدد الباحثون على أن فهم هذه الآليات قد يساعد في الكشف المبكر عن الأشخاص الأكثر عرضة للخطر، موضحين أن التوجه نحو الطب الدقيق يعتمد بشكل أساسي على فك شفرة الطريقة التي توجه بها الجينات الخلايا نحو التحول السرطاني.
السرطان وتحدي الاستجابة الفردية
وأوضح التقرير أن التساؤل الأزلي حول سبب إصابة مدخن دون آخر يجد تفسيرا جزئيا في هذا التباين الجيني، مبينا أن النتائج لا تعني بأي حال أن التدخين آمن أو أن هناك حصانة جينية مطلقة، بل تؤكد أن استجابة الجسم للتلف الناتج عن دخان السجائر تختلف من شخص لآخر.
وأضافت الدراسة أن التباين في الجينات الموروثة يؤثر بشكل مباشر على طبيعة الطفرات المتكونة، مما يجعل المسار الذي يسلكه الورم مختلفا حتى عند التساوي في جرعة التعرض للعامل المسرطن، مؤكدة أن فهم هذه الفروق يعد ركيزة أساسية في أبحاث السرطان الحديثة.
وخلص الخبراء إلى أن هذه النتائج رغم كونها أولية وأجريت على نماذج حيوانية، تقدم دليلا قويا على أهمية مراعاة الخصائص الوراثية في تشخيص الأمراض، مشيرين إلى أن الطريق لا يزال طويلا لتطبيق هذه المعطيات على البشر بشكل كامل ولكنها تضع حجر الأساس لعلاج أكثر فعالية وشخصية.









