مستقبل المبادرة الاميركية في ليبيا بين ضغوط الشارع وتعقيدات المشهد السياسي
تتصاعد حدة الجدل في الاوساط السياسية الليبية حول التداعيات المحتملة للاحتجاجات الاخيرة التي شهدتها العاصمة طرابلس على مستقبل المبادرة الاميركية الرامية لتقاسم السلطة بين القوى المتصارعة. ويبدو ان حالة الهدوء النسبي التي عادت للمدينة لم تنهِ التساؤلات حول مدى قدرة رئيس حكومة الوحدة عبد الحميد الدبيبة على المضي قدما في هذا المسار الدولي وسط ضغوط شعبية متزايدة تطالبه بتحسين الاوضاع المعيشية ومعالجة ازمة الكهرباء المزمنة.
واضاف مراقبون ان التطورات الاخيرة وضعت الدبيبة في موقف حرج حيث يلتزم حتى اللحظة بتأجيل اعلان موقفه النهائي من المبادرة مفضلا التمسك بشروط سابقة تركز على بناء دولة مدنية واجراء انتخابات نزيهة ورفض استخدام القوة. واكدت المصادر ان هذا التردد ينبع من ادراك رئيس الحكومة لحجم الرفض الذي تبديه قوى مؤثرة في المنطقة الغربية للترتيبات الاميركية المقترحة.
وبين محللون ان الاحتجاجات قد تترك ارتدادات غير مباشرة على حسابات الحكومة حيث يخشى الدبيبة من ان يؤدي تبني المبادرة الى تعميق التصدعات داخل حاضنته السياسية والاجتماعية. واشار سياسيون الى ان واشنطن تراقب عن كثب مدى قدرة الحكومة على ضبط الاوضاع خاصة بعد اقتحام محتجين لمجمع مليتة النفطي وهو ما يمثل خطا احمر للمصالح الاميركية في ملف الطاقة.
ابعاد المبادرة الاميركية وموقف القوى المحلية
وكشفت تقارير سياسية ان المبادرة التي يقودها مستشار الرئيس الاميركي مسعد بولس تهدف الى توحيد السلطة التنفيذية عبر ابقاء الدبيبة رئيسا للحكومة مقابل تولي صدام حفتر رئاسة المجلس الرئاسي. واوضحت القوى السياسية في غرب ليبيا تحفظها الشديد على هذا الطرح معربة عن مخاوفها من عودة الحكم العسكري او انتاج صراعات مشابهة لما حدث في السابق.
وشدد خبراء امنيون على ان الاحتجاجات الاخيرة كانت في جانب منها مسيسة وانحسرت بمجرد التوصل الى تفاهمات امنية بين جهاز الردع وحكومة الوحدة. واشاروا الى ان التحركات الدولية لم تتوقف حيث استمرت التنسيقات العسكرية عبر لجنة 4+4 وزيارات الوفود الاميركية مما يشير الى ان المسار السياسي لا يزال يسير وفق اجندة دولية لا تتأثر كثيرا بالاضطرابات الخدمية.
واكد المحلل السياسي حسام الدين العبدلي ان واشنطن لا تزال ترى في الدبيبة وقيادة الجيش الوطني الطرفين الاكثر قدرة على تنفيذ اي تسوية سياسية رغم ضعف السيطرة الميدانية في بعض المناطق. واوضح ان التقارب الاخير بين الحكومة وجهاز الردع قد يكون جزءا من ترتيبات الاستقرار اللازمة لتهيئة الاجواء قبل دخول المبادرة الاميركية حيز التنفيذ.
تحركات سياسية مرتقبة لإنقاذ المسار الانتخابي
واشار عضو المجلس الاعلى للدولة محمد معزب الى وجود تحركات موازية تهدف للحاق بالزخم الدولي حيث يتوقع عقد لقاء قريب بين محمد تكالة وعقيلة صالح. وبين ان هذا اللقاء قد يركز على تفعيل خريطة الطريق المتفق عليها سابقا لإنهاء المراحل التمهيدية والاتفاق على القوانين الانتخابية لضمان اجراء استحقاق رئاسي وبرلماني متزامن.
واوضح مراقبون ان هذه التحركات قد تؤدي الى دمج المبادرة الاميركية ضمن اطار حوار سياسي موسع تحت رعاية اممية لتجاوز العقبات التي تفرضها الاطراف الرافضة للحلول الفوقية. واكدوا ان الايام المقبلة ستكون حاسمة في تحديد مدى قدرة الطبقة السياسية على تقديم تنازلات متبادلة تنهي حالة الانقسام القائمة.
وختاما كشفت مصادر مطلعة ان المشهد الليبي يمر بمرحلة دقيقة تتداخل فيها الضغوط الشعبية مع الحسابات الدولية. واضافت ان نجاح اي مبادرة سياسية مرهون بمدى استجابة الاطراف المحلية لمطالب الشارع وقدرتها على التوافق على خارطة طريق واضحة تضمن استقرار البلاد وتنهي المراحل الانتقالية المتعثرة.









