حين تصبح السطحية صناعة وثروة.. حسين الرواشدة يشرّح زمن "الفُرجة" وانحسار المثقفين
الوقائع الإخباري - وضع الكاتب الصحفي حسين الرواشدة أصبعه على واحدة من أكثر التحولات المجتمعية إثارة للقلق في الفضاء الرقمي، مفككاً بنية ما وصفه بـ"عصر التفاهة المنظمة"، ومحذراً من تجريف ممنهج يطال منابر التوجيه الفكري لصالح صناع الإثارة والسطحية.
الرواشدة انطلق في مقاربته من إعادة تعريف الظاهرة؛ فالمسألة لم تعد مجرد "سفاهة" معزولة كما عرفها التاريخ، بل تحولت إلى "سلطة ناعمة" تمتلك آليات مؤسسية كاملة، تشمل منصات رعاية، ومهرجانات تكريم، وجوائز احتفاء، وشبكات إثراء سريع. هذا النموذج استطاع هندسة الوعي اليومي وتوجيهه، محولاً اهتمامات الناس من القضايا الجوهرية إلى معارك افتراضية ونزاعات هامشية تدور حول عبارات مجتزأة وصور مصطنعة.
وتوقف الكاتب عند اختلال الموازين بين الجوهر والواجهة؛ إذ يفرض عصر "الفُرجة" شروطه الصارمة بانتصار الشكل والابتذال الاستعراضي على حساب العمق والمضمون. وأشار إلى أن التعاقد الضمني بين صانع المحتوى السطحي والجمهور بات يرتكز على دغدغة الغرائز وملء الفراغ بأبخس الأفكار، مما حوّل استهلاك المحتوى إلى حالة إدمان جمعي تحظى بمدرجات تهتف وصفقات تسويق تتدفق.
التداعيات الأخطر لهذه المعادلة، بحسب الرواشدة، تتجلى في إقصاء الطبقة المعرفية التقليدية؛ حيث انتهى عملياً الدور الريادي للمثقف، الأكاديمي، والإعلامي الرصين، وفقدت الكفاءات الملهمة قدرتها على التأثير في الجيل الناشئ أمام مزاحمة شخصيات ترتدي الأقنعة وتقدم نفسها مرجعيات للعصر الجديد. هذا الواقع دفع حَمَلة الفكر إلى خيار مرّ يتمثل في الانكفاء والانسحاب من المشهد العام، بعدما أيقنوا أن بضاعتهم الفكرية باتت كاسدة في سوق تحكمه خوارزميات الاستفزاز ومزادات الرداءة.
واختتم الكاتب تشريحه بلهجة مريرة، خالصاً إلى أن الباحثين عن المعنى وأصحاب المشاريع المعرفية الأصيلة باتوا يدفعون ثمن التزامهم بالرصانة عبر غربة فكرية مفروضة، تاركين الساحة لصخب السيرك المفتوح.








