بين التعافي والانهيار.. واقع القطاع الصحي في السودان وسط تحديات الحرب

بين التعافي والانهيار.. واقع القطاع الصحي في السودان وسط تحديات الحرب

يعيش القطاع الصحي في السودان حالة من الانقسام الحاد في المشهد العام، حيث تتداخل صور المستشفيات التي استعادت نشاطها في العاصمة مع واقع المرافق المتهالكة في مناطق النزوح. وتواجه المنظومة الطبية تحديات جسيمة فرضتها سنوات الحرب الطويلة التي أدت إلى تدمير البنية التحتية ونقص حاد في الكوادر والامكانيات التقنية الضرورية. ويوضح الواقع الميداني أن عودة العمل في بعض المراكز المرجعية لا تعني بالضرورة انتهاء الأزمة، بل تكشف عن فجوة كبيرة بين المدن الكبرى والمناطق التي لا تزال تعاني من وطأة القتال.

واكدت بيانات دولية أن نسبة كبيرة من المرافق الصحية توقفت عن تقديم خدماتها تماما، مما جعل ملايين السكان في حاجة ماسة للرعاية الطبية العاجلة. واضافت تقارير ميدانية أن ارتفاع تكاليف العلاج ونقص الأدوية يفاقمان معاناة المواطنين، مما يطرح تساؤلات جوهرية حول حقيقة التعافي النسبي الذي تشهده بعض الولايات مقارنة بالتدهور المستمر في مناطق أخرى.

مستشفيات تحاول استعادة بريقها

وكشف مدير مستشفى ام درمان التعليمي عن حجم الدمار الواسع الذي لحق بالمرفق جراء العمليات العسكرية، موضحا أن الجهود بدأت منذ فترة لتأهيل الاقسام الحيوية لاستقبال المرضى. واشار إلى أن الدعم الخارجي ساهم في توفير مولدات كهربائية ومعدات عناية مكثفة، مما انعكس ايجابا على سرعة الفحوصات المخبرية وزيادة عدد العمليات الجراحية اليومية بشكل ملحوظ.

وبين مدير المستشفى أن التحديات لا تزال قائمة، خاصة فيما يتعلق بنقص العنابر والحاجة المستمرة للوقود وتذبذب التيار الكهربائي. واوضح أن ضغط السكان العائدين إلى مناطقهم يضع عبئا إضافيا على المستشفيات التي تحاول جاهدة تقديم خدماتها وسط ظروف اقتصادية ولوجستية بالغة التعقيد.

وشدد مدير مستشفى بحري التعليمي على ضرورة استكمال شبكات الصرف الصحي وتوفير مصادر طاقة احتياطية لضمان استمرارية العمل على مدار الساعة. واكد أن إعادة إعمار المباني ليست سوى خطوة أولى، حيث تظل الحاجة ماسة إلى تزويد المستشفيات بالأجهزة الدقيقة وتدريب كوادر جديدة لتعويض من فقدتهم المؤسسات الصحية خلال سنوات الصراع.

فجوة الخدمات في مناطق النزوح

واظهرت شهادات مواطنين في المناطق البعيدة عن مراكز المدن أن المعاناة اليومية تفوق ما يتم رصده في المستشفيات الكبرى. واوضحت امهات نازحات أن الوصول إلى الرعاية الطبية الأساسية أو التطعيمات يتطلب رحلات شاقة لساعات طويلة، في حين تفتقر المراكز الصحية المحلية للحد الأدنى من المستلزمات الطبية والادوية المنقذة للحياة.

وكشفت قصص النازحين في مناطق دارفور عن مآسٍ إنسانية حقيقية، حيث تضطر النساء للولادة في ظروف قاسية بعيدا عن أي رعاية صحية. واكدت هذه الشهادات أن الفجوة كبيرة بين توفر الخدمات في قلب العاصمة وبين الانعدام التام لها في مناطق النزوح، مما يجعل النظام الصحي في تلك المناطق في حالة انهيار فعلي لا يمكن تجاهله.

وبينت تقارير منظمة أطباء بلا حدود أن ضعف التمويل الدولي يفاقم من أزمة إغلاق المراكز الصحية، مما يحرم ملايين السودانيين من الحق في العلاج. واضافت أن الخلاف حول توصيف وضع القطاع الصحي بين المسؤولين الحكوميين والمنظمات الإنسانية يعكس تعقيد المشهد، حيث يرى البعض تحسنا تدريجيا بينما يرى آخرون أن التحديات لا تزال تتجاوز قدرة المنظومة المتهالكة.

اقتصاديات الدواء وتحدي الاوبئة

واكد صيادلة أن ارتفاع اسعار الادوية بشكل جنوني يعود إلى اعتماد البلاد على الاستيراد بالعملة الصعبة وتضرر المصانع المحلية خلال الحرب. واوضحوا أن عودة بعض المصانع للإنتاج الجزئي تعد مؤشرا ايجابيا، لكنها لا تزال غير كافية لسد الفجوة الكبيرة في السوق المحلية، مما يضع المرضى في مواجهة مباشرة مع خيارات صعبة.

واظهرت المتابعات أن مرضى السرطان والامراض المزمنة هم الاكثر تضررا من غلاء الدواء وتوقف الخدمات المجانية في بعض المراكز. واضاف اختصاصيون أن المختبرات الطبية تعاني هي الاخرى من فقدان الاجهزة ومستلزمات الفحص، مما يضطر اصحابها للعمل بنظام الشراكة لتوفير الخدمات للمرضى بأقل التكاليف الممكنة.

واكد مديرو مستشفيات أن خطر الاوبئة مثل الكوليرا والملاريا يظل قائما ما لم يحدث تكامل بين جهود وزارة الصحة والمنظمات المجتمعية. واوضحوا أن الوقاية والتوعية لا تقل اهمية عن العلاج داخل المستشفيات، مشددين على أن استقرار القطاع الصحي يتطلب رؤية وطنية شاملة تتجاوز حدود العاصمة لتشمل كافة الولايات والمناطق المتأثرة بالنزاع.

 
جميع الحقوق محفوظة للوقائع الإخبارية © 2026
لا مانع من الاقتباس وإعادة النشر شريطة ذكر المصدر ( الوقائع الإخبارية )
تصميم و تطوير VERTEX web solutions