اول مائة وستة ايام في مؤسسة الضمان الاجتماعي
بقلم: محمد عودة ياسين
في 17 حزيران 2026، عاد الدكتور حازم الرحاحلة مديرا عاما للمؤسسة العامة للضمان الاجتماعي، ومنذ ذلك التاريخ بدا واضحا أن المؤسسة دخلت مرحلة جديدة من النشاط والتواصل والمبادرات.
ولأنني لا أحب إطلاق الأحكام من الانطباعات، حرصت خلال هذه الفترة على متابعة ما صدر عن المؤسسة من قرارات وخدمات ومبادرات ولقاءات، ووجدت أن أفضل طريقة لقراءة هذه المرحلة هي استعراض أبرز ما تم إنجازه.
في تموز، أقرت المؤسسة تسهيلات استثنائية للقطاع السياحي والقطاعات المرتبطة به، شملت تقسيط الالتزامات المستحقة بفائدة مخفضة تبلغ 1% سنويا، مع إمكانية تأجيل بدء السداد حتى نيسان 2027 وفقا لأسس محددة.
وفي الفترة نفسها أطلقت المؤسسة منصة «فرصتك» لربط الباحثين عن العمل بمنشآت القطاع الخاص، ثم اتجهت إلى ربط المسجلين فيها ببرامج تدريب وتأهيل مرتبطة بالتوظيف. كما بدأت العمل على استكمال ترتيبات شمول العاملين في المهن والحرف الحرة، والبحث في آليات شمول العاملين عبر تطبيقات النقل، في ظل التحولات الكبيرة التي يشهدها سوق العمل وظهور أنماط جديدة من العمل مرتبطة باقتصاد المنصات والتكنولوجيا.
وفي هذا السياق، كان لي تواصل مع الدكتور حازم الرحاحلة، طرحت خلاله أهمية استخدام الذكاء الاصطناعي في مختلف أعمال المؤسسة وخدماتها وعملياتها، لما يمكن أن يقدمه من فرص لتحسين سرعة الإنجاز ودقة الإجراءات وجودة الخدمات ودعم اتخاذ القرار.
وقد بادرني الدكتور حازم بالقول إن المؤسسة كانت سباقة إلى هذه الخطوة، وإنه تم بالفعل طرح عطاء يتعلق بالذكاء الاصطناعي، وهو ما يؤكد أن المؤسسة بدأت مبكرا في الاستعداد للتكنولوجيا التي ستعيد تشكيل أساليب العمل والخدمات خلال السنوات المقبلة.
في 17 آب، عقدت المؤسسة لقاء مع ملتقى النشامى للجالية الأردنية حول العالم، لبحث احتياجات الأردنيين في الخارج وتسهيل استفادتهم من خدمات الضمان ومتابعة اشتراكاتهم والتزاماتهم، إلى جانب تطوير آليات التواصل معهم.
وفي 3 أيلول، بحثت المؤسسة مع وزارة النقل آليات شمول العاملين في قطاع النقل عبر التطبيقات بمظلة الضمان الاجتماعي، في محاولة لإيجاد آليات تتناسب مع طبيعة هذا العمل وتحفظ للعاملين فيه حقوقهم التأمينية.
وتوازى هذا التحرك مع تعزيز التواصل الميداني المباشر والنزول إلى الميدان مع المؤمن عليهم وأصحاب العمل في مختلف المحافظات ، للاستماع إلى ملاحظاتهم والتفاعل المباشر مع قضاياهم والوقوف على التحديات التأمينية والإجرائية التي تواجههم على أرض الواقع.
في 7 أيلول، بحثت المؤسسة مع نقابة مقاولي الإنشاءات ملفات المديونية والحجوزات وتقسيط المستحقات وشمول العمالة الوافدة والربط الإلكتروني لقواعد البيانات.
وتطور هذا النهج في 27 أيلول، عندما قرر مجلس إدارة المؤسسة تعديل آلية تخفيض فائدة تقسيط المبالغ المترتبة على المنشآت المدينة، وربط نسبة التخفيض بقيمة الدفعة الأولى، وذلك حتى 31 كانون الأول 2026.
وبذلك تحولت التسهيلات إلى حافز عملي لتسوية المديونية، مع الحفاظ على حقوق المؤسسة.
شكل أيلول محطة مهمة في مسار التحول الرقمي. ففي 6 آب كانت المؤسسة قد اعتمدت تطبيق «سند» لتسجيل دخول الأردنيين إلى خدماتها الإلكترونية، باستخدام الرقم الوطني وكلمة مرور تطبيق سند، ثم نشرت في 10 آب توضيحا لآلية الدخول. وبذلك أصبحت خدمات الضمان مرتبطة بمنظومة الهوية الرقمية الحكومية، بما يعزز سهولة الوصول وأمان البيانات.
وفي 14 أيلول أطلقت المؤسسة التطبيق المطور للضمان الاجتماعي، الذي أتاح للمؤمن عليهم والمتقاعدين إنجاز مجموعة من الخدمات إلكترونيا دون الحاجة إلى مراجعة فروع المؤسسة، ومنها الاحتساب الافتراضي للراتب التقاعدي المبكر والوجوبي، وخدمة «اشمل نفسك»، وطلب المعالجة الطبية الفورية لإصابة العمل، والاستعلام عن مدة الخدمة والفترة المتبقية لاستحقاق التقاعد.
وخلال الأيام السبعة الأولى من إطلاق التطبيق، وصل عدد مستخدميه إلى أكثر من 361 ألف مستخدم.
ومن المهم الإشارة إلى أن خدمة «اشمل نفسك» ليست فكرة جديدة؛ فقد أطلقت خلال فترة الإدارة السابقة للدكتور الرحاحلة. أما الجديد اليوم فهو إعادة تفعيلها وتطوير أدوات الوصول إليها.
وفي 23 أيلول توسعت عملية التحول الرقمي لتشمل أصحاب العمل، من خلال إتاحة الاطلاع على بيانات المنشآت وتفويض ضباط الارتباط وإنجاز عدد من الإجراءات إلكترونيا دون مراجعة فروع المؤسسة، وهي عملية مهمة لأصحاب العمل لمراقبة أداء ضباط الارتباط ومتابعتهم.
وفي 30 أيلول أعلنت المؤسسة ارتفاع عدد المؤمن عليهم الفعالين إلى 1,685,387 مؤمنا عليه، مقارنة بـ 1,615,664 في نهاية أيلول 2025، بزيادة صافية بعد استبعاد الخارجين من متقاعدين ومتعطلين بلغت 69,723 مؤمنا عليه، وبنسبة 4.3%.
وهذه الزيادة لا يمكن نسبتها بالكامل إلى فترة المائة يوم، لكنها تمثل مؤشرا على اتجاه أوسع نحو توسيع مظلة الحماية الاجتماعية، من خلال الربط الإلكتروني مع البيانات الحكومية ومتابعة المنشآت والتفتيش والعمالة الوافدة.
بعد أكثر من مائة يوم على عودة الدكتور حازم الرحاحلة، ومع تفاعل منقطع النظير من فريقه المبدع ومشاركة فاعلة من إدارات وفروع المؤسسة وكوادرها المتميزة ، تبدو ملامح المرحلة في مجموعة من المسارات المتوازية: دعم القطاعات الاقتصادية، معالجة المديونية، توسيع الشمول، التعامل مع أنماط العمل الجديدة، التواصل في الميدان مع المؤمن عليهم وأصحاب العمل، التواصل مع الأردنيين في الخارج، وتطوير الخدمات الرقمية، مع الاستعداد المبكر لتوظيف الذكاء الاصطناعي في أعمال المؤسسة.
ولا شك أن أمام المؤسسة العديد من التحديات القائمة والمتجددة، وفي مقدمتها السعي نحو إقرار تعديلات على قانون الضمان الاجتماعي، يضمن الاستدامة المالية للمؤسسة على المدى البعيد، ويوفر في الوقت ذاته الحماية الاجتماعية والعادلة للمؤمن عليهم. وكلنا ثقة بأن الإدارة الحالية ستكون متوازنة في طروحاتها.
ولعل اللافت أن جميع هذه الملفات تصب في اتجاه واحد: بناء الثقة في مؤسسة أكثر مرونة، وأسرع استجابة، وأقرب إلى المشترك وصاحب العمل، وقادرة على مواكبة التغيرات التي يشهدها سوق العمل والمجتمع.
*خبير التأمينات والحماية الاجتماعية









